كلمة للشيخ أبي مالك عن فضل العلم والعلماء وعن فتنة المال . - صوتيات وتفريغات الإمام الألباني
كلمة للشيخ أبي مالك عن فضل العلم والعلماء وعن فتنة المال .
A-
A=
A+
أبو مالك : إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا آله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله (( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون )) (( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرًا ونساء واتقوا الله الذي تسألون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا )) (( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوز عظيما )) أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار, إخواني بارك الله فيكم أريد أن أتناول في حديثي هذا ثلاث مسائل أفرد كل واحدة منها بما تيسر وبما يفتح الله علي من كلام فيها.

أما المسألة الأولى: فهي لا شك أننا في زمان اضمحل فيه العلم وغاب فيه وجهه الأبلج الذي كان عليه علماؤنا السابقين أو السابقون من علماء هذه الأمة في القرون الماضية وهذا العلم أصبح فعلا في هذا الزمن غريبًا وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول : ( طوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس ) , فإن من غربة الذين يصلحون غربة العلم, وغربة العلم لا شك أنها تحدث غربة في الناس أو في العلماء الذين على منهج الحق والذين أقاموا عمود الإسلام بعلمهم الذي فتح الله به عليهم فيما مضى من القرون, وهذا العلم إذا صار غريبًا في الناس بغربة العلماء الذين يتنزع ينتزعون من الأمة لا بالموت ولكن بالجهل الذي يركب الأمة فتأخذ الأمة سمتا أو طريقًا غير الطريق الذي كان عليه أسلافنا في مضى من القرون وهذا ما يشير إليه نبينا صلى الله عليه وسلم في قوله : ( إن الله لا ينتزع هذا العلم بانتزاعه من صدور العلماء ولكن بموت أهله حتى إذا مات العلماء اتخذ الناس رؤوس جهالا فاستفتوهم فافتوهم فضلوا وأضلوا ) ومن هنا يجب علينا أن نتذكر ونحن في مثل هذا المجلس الذي أفاء الله علينا فيه من علم يندر أن يكون في غير هذا المجلس إلا أن يكون هذا المجلس أو مثل هذا المجلس, أن يكون في غير هذا المجلس على أن يكون في مثل هذا المجلس, أقول إن الله عز وجل أفاء علينا أو أفاض علينا بعلم لسنا على قدرة أن نكون إلا حاملين له, أما أن يقدرنا الله عز وجل على بيانه والقول فيه والإحسان على هذا النحو الذي سمعناه من شيخنا جزاه الله خيرًا, فهذا لا يتيسر إلا للقلة في هذا الزمان, ومن هنا يجب أن نحرص على كل كلمة نسمعها في مثل هذا المجلس لأن حرصنا يؤكد أن طلب العلم أيضًا لا يكون إلا في القلة القليلة من الناس الذين اجتباهم الله عز وجل لنصرة دينه والقيام بأمر سنة نبيه صلى الله عليه وسلم والدعوة إليهما, لا يفرقون بينهما لقوله عليه الصلاة والسلام : ( ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض يوم القيامة ) فمن هنا أقول يجب علينا أن نحرص على مثل هذه المجالس العلمية النفيسة النادرة التي يكون فيها شيخنا جزاه الله عنا خيرًا وعن الأمة فقد أحسسنا حقيقة بأننا في زمان قل فيه العلماء, ولكن إذ جاد الله على هذه الأمة بمثل شيخنا فإننا والحمد لله نحس أو نشعر بأن هذا العلم الذي كان في سلف هذه الأمة وفي قرونها الثلاثة الأولى جعل الله منه سبيلا إلينا على يد شيخنا جزاه الله تبارك وتعالى خيرًا, وهذا العلم لا يكون إلا بالمثابرة والمواصلة والجهد والصبر ومعرفة دفائن ونفائس وكنوز هذا العلم التي لا يمكن أن تتيسر بحفظ أسمائها واستظهارها ومعرفة مؤلفيها وكاتبيها وإنما تعرف حقيقة بالجهد الذي ينبغي أن يبذل حتى تستظهر صحائفها وتستخرج كنوزها وتحفظ في الصدور والعقول حتى يكون الواحد من طلبة العلم على مثل ما كان طلبة العلم في الأزمان الغابرة وفي القرون الماضية, هذه المسألة الأولى.

أما المسألة الثانية: فإننا في مثل هذه الأيام ندرك تمامًا أننا في حاجة إلى تذكر قول الله تبارك وتعالى : (( لو أنفقت ما في الأرض جميعًا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم )) أقول أستذكر هذه الآية وأنا أقرؤها أو ونحن نقرأها جميعًا في سورة الأنفال نستذكر معنى هذه الآية ماثلة أمام عيوننا وكأنها لا زالت تنطق بها أفواه أولئك المؤمنين الذين كانو يقاتلون في سبيل الله في غزوة بدر وفي غزوة أحد وفي غيرهما من الغزوات التي أظهرت حقيقة الأخوة فيما بين أولئك الصحابة رضوان الله عليهم إيثارًا ومودة وتضحية وصبرًا وحبًا إلى غير ذلك من الأخلاق العظيمة التي لا يمكن أن تظهر إلا فيمن فقه هذه الآية وعمل بمعانيها العظيمة التي اشتملت عليها : (( لو أنفقت ما في الأرض جميعًا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم )) وإذ الأمر كذلك ونحن نعلم بأن الله عز وجل هو الذي ألف بين هذه القلوب من غير أن يكون هناك إنفاق ولو يسيرًا من المال, وإنما كان هذا التأليف بذلك الحب الذي ألقاه الله تبارك وتعالى في قلوب هذه الطائفة العظيمة وهذا الحب لم يكن يومًا لم يكن يومًا في مثل هذه القلوب ولا نبت ولا عظم ولا استطالت سيقانه ولا آتى ثماره إلا بالأيمان الذي تعلموه على يدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم, فنحن إذًا في هذا الزمان في حاجة إلى أن نستذكر هذا المعنى وأن نستحضره في نفوسنا وألا يغيب لحظة واحدة عنا, وأن ننفي عنا كل ما يمكن أن يؤثر على هذا الأمر الذي اختصه الله تبارك وتعالى بهذه الطائفة وهي طائفة المؤمنين, ولم تكن لغير المؤمنين على الإطلاق, ومهما كان الحب الذي يتنازعه الناس أو يملأ أو يحاولون أن يظهروه فيهم إن كانوا على غير منهج الحق, فإن هذا الحب لا يلبث أن يغيب وأن يزول, ونحن إذا سلكنا سبيل أولئك في دعوانا الحب فإن هذا الحب سوف أيضًا يغيض ويزول ويلحق بذلك الحب الذي لا يمكن أن يستمر إذا كانوا على مثل ما هم عليه, فنحن إذًا يحب أن نحفظ هذه الآية حفظًا جيدًا وأن نعلم أن هذا الحب أو هذا الحب الذي أو هذه الأخوة التي كانت على أصل الحب الذي قام شجرة باسقة في قلوب أصحابه رضوان الله عليهم لن يكون فينا إلا على مثل ما كان في أولئك المؤمنين الصادقين وهي هبة سماوية ليس للبشر فيها فضل إلا أن يحافظوا عليها وأن يجنوا ثمارها وأن يجعلوا سبيلهم إليها سبيل إصلاح ومحافظة عليها, وإلا فإن هذه النعمة سوف تزول ولقد رأيتم زوال شيء منها في تلك الفتنة التي ألمت بالأمة وأحاطت بها من كل أطرافها, ونحن الآن والحمدلله نرى مصداق هذه الآية, وقد ابتعد عنا هذا المعنى الذي جاءت به هذه الفتنة العظيمة في بيت إخوة لنا كرام من القطر, من قطر قطر حيث نجلس في بيتهم, وأكلنا من طعامهم وشعرنا فعلا بأن الفتن مهما عظمت ومهما حاول أعداء الإسلام أن يضرموا نارها وأن يأججوا لهيبها وأن يقطعوا أسبابها فإنها باقية فينا وبقاؤها لم يكن إلا لأننا فقهنا والحمد لله قول ربنا تبارك وتعالى : (( لو أنفقت ما في الأرض جميعًا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم )) فإذًا هذه نعمة يجب أن نشكر لله تبارك وتعالى على ما أفاء علينا بها فهي أيضًا مما ينبغي أن نعلم بأن دوامها لا يكون إلا بالعلم والعلم الذي تعلمناه من أسلافنا الصالحين, وجعل الله فينا بقية منهم, ومنهم شيخنا الشيخ ناصر جزاه الله تبارك وتعالى عنا خيرًا.

أما المسألة الثالثة وهي الأخيرة: فإنه لا شك يا إخوان بأن أعظم فتنة أصيبت بها الأمة في هذا الزمان وتصاب بها في الأزمنة المقبلة وأصيبت بها أيضًا في الأزمنة الماضية أعظم فتنة هي فتنة المال التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم : ( لكل أمة فتنة وفتنة أمتي المال ) فالمال يا إخوان ليس هو السبيل الذي يصلح عليه أمر هذه الأمة, وأنتم ترون الآن بأن الأموال التي تجري كالأنهار بين يدي المسلمين كانت سببًا في دمارهم وخراب بيوتهم وإفساد أرضهم وتسلط أعدائهم عليهم, فلو كان المال سببًا في إحياء الأمة وفي نهضتها وفي بناء مجدها وفي أن تلحق بالركب الذين مضوا من سلف هذه الأمة لكانت الأمة اليوم هي أعلى الأمم في الأرض, ولكن هذه الأمة وقد أصيبت بفتنة المال وأحاطت بها من كل أطرافها فاجتالتها عن مواقع الخير والمودة والمحبة, هذه الأمة ينبغي أن تعلم وقد وقعت في تجربة عظيمة وخطيرة زلزلتها وقضت مضاجعها وحملتها على سفن وفي بحور, في بحور هوجاء متلاطمة الأمواج لن يستقر أمرها إلا إذا عرفت أن المال ليس سبيلها في نهضتها, وليس سبيلها إلى وحدتها, وليس سبيلها أيضًا إلى اجتماع كلمتها, وأنتم ترون ولا حاجة بأن أضرب الأمثلة أو أقرب الأمر إليكم أكثر مما أشرت إليه, فإن الإشارة هنا تكفي وتكفي وتكفي, لذلك لابد أن نعلم بأن المال الذي كان سببًا في إطفاء جدوة الإيمان وفي تقطيع مودات القلوب وفي استعباد هذه الإمة على أيدي أعدائها, وفي استعباد هذه الأمة على أيدي أعدائها وفي انتقاص أرضها وفي سلب خيراتها وفي ضربها بعضها مع بعض, يجب أن نعلم بأن هذه الفتنة هي أخطر فتنة, وأن علينا أن نتخلص منها, وألا تتعلق بها قلوبنا, والذي يحل محل هذه الفتنة بلا شك هو أن نعلم بأن الآخرة خير لنا وأبقى, وأن الآخرة التي قال الله عز وجل فيها ما قال من تقديمها وتفضيلها على الدنيا, وترغيب الناس في العمل إليها لن تنال بالتمني, ولن تكون إلا بالسعي بالعمل الصالح والبذل المتواصل والجهد الذي لا ينقطع, وطلب العلم والمعرفة فإن الآخرة لا بد لها من علم, والعلم لا يكون إلا ... .

مواضيع متعلقة