أرجو منكم النصيحة بالنسبة للخروج مع جماعة التبليغ ؛ حيث إن هذه الجماعة يخرج معها شباب كثيرون ؟ - صوتيات وتفريغات الإمام الألباني
أرجو منكم النصيحة بالنسبة للخروج مع جماعة التبليغ ؛ حيث إن هذه الجماعة يخرج معها شباب كثيرون ؟
A-
A=
A+
السائل : فضيلة الشيخ - حفظك الله - ، أرجو منكم النصيحة بالنسبة للخروج مع جماعة التبليغ ؛ حيث أن هذه الجماعة بدأت تأخذ بعض الشباب في الخروج والنصيحة ؛ أي : توجد شباب كثيرون يخرجون معهم ، وجزاكم الله خيرًا ؟

الشيخ : نحن نعيش في جوِّنا السوري والأردني في نفس الجوِّ الذي أنتم تذكرون الآن أنكم تعيشون فيه ، لا شك أنَّ أيَّ جماعة تنتمي إلى الإسلام الذي أصله الأول وركنه الأساسي شهادة لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فهو منَّا ؛ له ما لنا وعليه ما علينا ، ولكن قد سمعتم آنفًا حديث النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ، بل أحاديث كثيرة ذكرنا بعضها أن الفرقة الناجية إنما هي التي تتعبَّد الله - تبارك وتعالى - على ما كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ، وعلى ما كان عليه أصحابه وما اتَّبعهم عليه من جاؤوا بعدهم بإحسان إلى يوم الدين ، لذلك خصَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أهل القرون الثلاثة بالخيرية ، فمن سار على دربهم فهو الذي نسير معهم ، ومن خرج عن طريقهم فلا نسير معهم ، وندعو الله - تبارك وتعالى - أن يوفِّقنا وإياهم على السير على هذا الصراط المستقيم .

نحن نعرف من هؤلاء الجماعة أنَّ فيهم خيرًا كثيرًا ، وأنهم في الغالب يظنُّون أنَّ ما هم عليه من هذا الخروج أنهم على خير ، ولا أدل على ظنِّهم هذا من أنهم يسمُّون خروجهم هذا خروجًا في سبيل الله ، هذا اصطلاح حادث لأمر حادث ، أو في أمر حادث كلاهما مخالف لما كان عليه النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ، لو أنَّ بعض أهل العلم خرجوا بالدعوة الى الله إلى كتاب الله وإلى حديث رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - لَكان هذا مما يُحمدون عليه ، وبخاصَّة في هذا العصر الحاضر الذي كَثُرَ فيه عدد المسلمين وقلَّ فيهم عدد المرشدين ، فلو خرج من علمائهم أفراد كثيرون ينتشرون في مختلف البلاد الإسلامية يدعون الأمة إلى اتِّباع الكتاب والسنة لَكان ذلك مما لا يختلف فيه اثنان ، ولا ينتطح فيه كبشان ؛ فإن الخروج في سبيل الدعوة إلى الله من أهل العلم هي سنَّة الأنبياء والرسل والصحابة الذين ساروا على دربهم وعلى طريقهم ، أما خروج العشرات أو المئات من بلد إلى بلد آخر قد لا يكون فيهم إلا عالم أو طالب علم ؛ فهذا بلا شك لم يكن عليه رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ، ونحن ننصح هؤلاء أن يخرج علماؤهم إذا كان لديهم علماء بالمعنى الصحيح ؛ وهو العالم بكتاب الله وبحديث رسول الله وعلى منهج السلف الصالح ؛ ننصح أن يخرجَ مَن كان من علمائهم على هذا المنهج لدعوة الناس وهدايتهم وارشادهم ؛ كما ننصح الآخرين الذين يخرجون مع مثل هذا العالم زرافاتٍ وجماعاتٍ كثيرة ؛ ننصحهم أن يقبعوا في بلادهم ، وأن يتردَّدوا على مساجدهم ، وأن يعقدوا هناك الحلقات العلميَّة التي جاء وصفُها في بعض الأحاديث الصحيحة : ( ما جلس قوم مجلسًا يتلون فيه كتاب الله ، ويتدارسونه بينهم ؛ إلا نزلت عليهم السَّكينة وحفَّتهم الملائكة ، وغشيتهم الرحمة ، وذكرهم الله فيمن عنده ) ، هذا خير لهم من أن يخرجوا - كما ذكرنا - وهم لا علم عندهم .

قلت آنفًا بأن مثل هذا الخروج يخالف السنة مرَّتين ؛ المرة الأولى عمليًّا ؛ فإن مثل هذا الخروج الكثير عدده القليل علمه لم يكن معروفًا إلى هذا القرن الأخير من بعد تلك القرون الطويلة ؛ فضلًا عن القرون المشهود لهم بالخيرية ، فهذا بلا شك من محدثات الأمور ؛ أي : هذا الخروج بهذه الكثرة الكاثرة لم يكن في عهد النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ، ولا في عهد الخلفاء الراشدين ، ولا في عهد الأئمة المجتهدين ، ولا في عهد العلماء المقلِّدين ، إلى هذا العصر حدثت تلك الجماعة ؛ يخرجون بهذه الكثرة الكاثرة بدل أن يجلسوا - كما قلنا - يتدارسون كتاب الله - تبارك وتعالى - ؛ فهذا من محدثات الأمور ، وضغثًا على إبَّالة يسمُّون هذا الخروج بغير اسمه ، يسمُّونه خروجًا في سبيل الله ، ووضعوا له نظامًا ، هذا النظام لا أصل له ، ثلاثة أيام أربعين يومًا ، وغير ذلك من التفاصيل التي لا أستحضرها الآن ، وهي محدثة فعلًا واسمًا .

وعندنا بعض الأخبار الكثيرة أنهم بسبب عدم معرفتهم بالعلم الصحيح يقعون في كثير من المشكلات ؛ فتارةً يروون الأحاديث الضعيفة والموضوعة ، وتارةً يفتون بفتاوى يتَّبعون فيها شيخًا دون أن يعرفوا مأخذه ومصدره من كتاب الله - تبارك وتعالى - ؛ من أجل هذا وهذا ولنا مجالس كثيرة ولقاءات عديدة مع بعض الأفراد منهم ممن نرجو أن يكونوا مخلصين في خروجهم هذا ، وإن كانوا مخطئين ، وإذا كان العمل قصده قصد فاعله حسن لكن عمله ليس مشروعًا ؛ فقصده الحسن لا يفيده شيئًا ما دام أن عمله على خلاف سنة النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ؛ كما جاء في حديث البخاري ومسلم من حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت : قال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - : ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ ) ، وكذلك جرى أصحاب النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - على ذمِّ كلِّ المحدثات ولو كانت عند الناس حسنة ؛ كما صحَّ عن عبد الله بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - قال : " كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة " ، هكذا يقول عبد الله بن عمر بن الخطاب ؛ " كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة " ؛ فمحدثات الأمور هي من المهلكات للناس ؛ لأنها من تلك الطرق التي أشار إليها النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ، ولذلك ننصح ونكرِّر النصيحة بالعودة إلى السنة ؛ ففيها الكفاية كما قال عبد الله بن مسعود - رضي الله تعالى عنه - : " اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة " ، لا شك أن هؤلاء الذين يخرجون ذلك الخروج إنَّهم يجتهدون ، فكثير منه يعطِّل أعماله يعطِّل مصالحه يعطِّل تجارته ، يترك أهله وأولاده خارجًا - فيما يزعمون ! - في سبيل الله ، فهذا اجتهاد لو كان على السنة فما أحسنه ! ولكنه كما قال عبد الله بن مسعود " اقتصاد في سنَّة خير من اجتهاد في بدعة " .

وإليكم أخيرًا قصةً وقعت لهذا الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - يطبِّق فعله على قوله السابق : " اقتصاد في سنَّة خير من اجتهاد في بدعة " :

لقد روى الإمام الدارمي في " سننه " بسنده الصحيح أن أبا موسى الأشعري - رضي الله عنه - - وهو صحابي جليل كما تعلمون - جاء ذات صباح إلى بيت دار ابن مسعود ، فوجد الناس عنده ينتظرونه ، فلما خرج قال : يا أبا عبد الرحمن ، لقد رأيت آنفًا في المسجد شيئًا أنكرته ، والحمد لله لم أَرَ إلا خيرًا . انظروا كيف جمع بين إنكاره للشيء مع أنه لم ير إلا خيرًا ؛ ذلك هو الاجتهاد في البدعة ، قال : ماذا رأيت يا أبا موسى ؟ قال : رأيت في المسجد أناسًا حِلَقًا حِلَقًا ، وفي وسط كل حلقة منها رجل يقول لمن حوله : سبِّحوا كذا ، احمدوا كذا ، كبِّروا كذا ، وأمام كل رجل منهم حصى يعدُّ به التسبيح والتكبير والتحميد ، قال ابن مسعود - رضي الله عنه - : أفلا أنكرتَ عليهم ؟ أفلا أمرتَهم أن يعدُّوا سيِّئاتهم وأنا الضَّامن لهم ألَّا يضيعَ من حسناتهم شيء ؟ قال : لا ، انتظار أمرك ، أو انتظار رأيك .

هذا خلقٌ من أخلاق سلفنا الصالح ؛ يعترف العالم بفضل أخيه الأعلم منه ، ولا يتقدَّم بين يديه بتصرُّف إلا بعد أن يستأذنه ، هذه جملة معترضة لنقيسَ أنفسنا اليوم مع أدب ذلك السلف الصالح بعضهم مع بعض ، ففي كثير من المجالس لا يكاد يطرح سائلٌ ما سؤالًا ما إلا ويبتدر بالجواب بعض الأقزام الضِّعاف في العلم ، وهم يرون هناك علماء فحولًا لا يسكتون ليتكلَّم من يحقُّ له الكلام ، انظروا الفرق بين هذا الزمان وبين ذاك الزمان .

إن أبا موسى لما رأى ما أنكره قال : حتى أستشير من هو أعلم مني ، وهو عبد الله بن مسعود ؛ لذلك لمَّا قال ابن مسعود له : أَفَلا أنكرت عليهم ؟ أفلا أمرتهم أن يعدُّوا سيِّئاتهم وضمنت لهم ألا يضيع من حسناتهم شيء ؟ قال له : لا ، انتظار أمرك أو انتظار رأيك ، فرجع ابن مسعود إلى داره ، وخرج متلثِّمًا لا يُرى منه إلا عيناه ، حتى دخل المسجد ورأى ما وُصِفَ له ؛ حينئذٍ كشف عن وجهه القناع واللثام ، وقال : ويحكم ما هذا الذي تصنعون ؟ أنا عبد الله بن مسعود صحابيُّ رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - . قالوا - وصدقوا فيما قالوا ، وهذا شأن كثير من الذين يكونون مخلصين في ابتداعهم ، لكن يكونوا متَّبعين على غير هدًى من ربِّهم ؛ قالوا لما سمعوا إنكار ابن مسعود البالغ عليهم - قالوا : والله يا أبا عبد الرحمن ، ما أردنا إلا الخير .

هنا الشاهد من هذه القصة أن مجرَّد قصد الخارج في سلوك طريق ما لم يسلكه ... .

... أن يكون على الكتاب والسنة ؛ لهذا قال ابن مسعود ردًّا عليهم في قولهم : والله يا أبا عبد الرحمن - كنية عبد الله بن مسعود - ، يا أبا عبد الرحمن ، ما أردنا إلا الخير . قال : وكم من مريدٍ للخير لا يصيبه ! حكمة بالغة ، وكم من مريد للخير لا يصيبه ، هذا كما قيل قديمًا :

ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها *** إن السفينة لا تجري على اليبسِ

لا بد للسفينة من ماء سائل تسير وتمشي فيه ، هكذا لا بد للمسلم من أن يكون طريقه السنة حتى يصلَ به إلى الجنة ، قال ابن مسعود : وكم من مريدٍ للخير لا يصيبه ؛ لماذا ؟ لأنه لم يسلك طريقَه ، ثم قال ابن مسعود مؤكِّدا قوله : إنَّ محمدًا - صلى الله عليه وآله وسلم - حدَّثنا فقال : ( إن أقوامًا يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم ) ؛ كناية عن أنهم يقرؤون القرآن بألسنتهم فقط ، ولكن ما يقرؤونه لا يصل إلى قلوبهم ، حدَّثنا يقول نبينا - صلى الله عليه وآله وسلم - : ( إن أقوامًا يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم ؛ يمرقون من الدِّين كما يمرق السَّهم من الرمية ) . قال - شاهد هذه القصة - : فلقد - وهنا العبرة البالغة - قال الشاهد المشار إليه : " فلقد رأينا أولئك الأقوام يقاتلوننا يوم النهروان " . انتهت القصة التي رواها الدارمي في " سننه " بسنده الصحيح عن ابن مسعود .

ما معنى نهاية هؤلاء الأقوام الذين جلسوا يذكرون الله ، ولكن بطريقة ما جاء بها رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ، ما كانت عاقبة أمرهم ؟ قال الراوي : فلقد رأينا أولئك الأقوام يقاتلوننا مع الخوارج يوم النَّهروان حينما قاتلهم علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - ، فاستأصل شأفتهم ، وكان منهم أصحاب الحلقات ؛ يعني أصحاب النوايا الطيبة ، ولكن بالأعمال الصالحة ، ولذلك قال - تعالى - في القرآن الكريم وبذلك أختم هذا اجلواب وقد طال بعض الشيء ، فأرجو المعذرة ، والجواب يتحمَّل الإطالة أكثر وأكثر ، وحسبُنا أن نختمَ هذا الجواب بقوله - تعالى - : (( فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا )) ، قال علماء التفسير : (( فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا )) على السنة ، (( وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا )) ؛ أي : فليكن في عبادته مخلصًا لله ، فإذا اختلَّ أحد هذين الشرطين ذهب العمل هباءً منثورًا .

نسأل الله - عز وجل - أن يحيينا على السنة وأن يميتنا عليها .
  • رحلة النور - شريط : 65
  • توقيت الفهرسة : 00:28:49
  • نسخة مدققة إملائيًّا

مواضيع متعلقة