ما رأيكم فيمَن يموتون في الأراضي المحتلة وقد اشتُهِر عنكم أنكم تقولون أنهم غير شهداء ؟ - صوتيات وتفريغات الإمام الألباني
ما رأيكم فيمَن يموتون في الأراضي المحتلة وقد اشتُهِر عنكم أنكم تقولون أنهم غير شهداء ؟
A-
A=
A+
السائل : ما رأي الدين - يا شيخ - فيمَن يموتون في الأرض المحتلة ؟ وخاصَّة قد رُوِيَ عنكم وشُهِّر أنُّو بيقول الشَّيخ بيقولوا : ما هم شهداء ، وهم كذا كذا تكلَّم عليهم الشَّيخ .

الشيخ : قبل الإجابة عن السؤال يجب تصحيح السؤال .

السائل : نعم .

الشيخ : لأنَّه خطأ شائع إلى درجة حتى في الإذاعات وفي بعض الإذاعات الدينية أن يُقال . يا عزمي ، لا يجوز أن يُقال : ما رأي الدين ؟ وإنما إن كان ولا بد من التلفُّظ بلفظة " الرأي " يُقال : " ما رأي الشَّيخ ؟ " ، أما إذا أضفت الرأي إلى الدين فهو خطأ واضح ، والصواب أن تقول : ما حكم الدين ؟ الدين ليس عنده رأي ؛ لأن الدين من الله - عز وجل - ، لكن الرأي يصدر من بعض العلماء الذين يجتهدون ويتعرَّضون للصواب والخطأ ، فيُقال حينَ ذاك : ما رأي فلان ؟ أما : ما رأي الدين ؟ فخطأ شائع ، والصواب أن يُقال : ما حكم الدين في كذا ؟

بعد هذا التصحيح أقول : كلُّ بلد احتُلَّ من الكفار وفُرِضَ عليه نظام الكفار يرد عليهم أن يهاجروا إلى الأرض الإسلامية لِمَن استطاع إلى ذلك سبيلًا ، هذا بالنسبة للإقامة في الأرض التي احتلَّها الكفار ، أما بالنسبة للذين يقاتلون هناك فالجواب حين ذاك نحن نقول : الشهادة يُشترط فيها شرطان اثنان :

الشرط الأول : أن يكون ذلك تحت راية إسلامية ، وألَّا تكون صادرة عن فوضى لا نظام لها ، وما يسمَّى اليوم بالانتفاضة فهي بلا شك عبارة عن انتفاضة ليس لها قائد وليس لها مسؤول ؛ ولذلك فنحن لا نرى الآن نقول لا نرى مثل هذه الانتفاضة التي لم يُتَّخذ لها الأسباب التي يُرجى أن تكون الخاتمة الحُسنى لها ، ولو فُرِضَ أن هناك جهاد يعني حقًّا كما هو الشأن - مثلًا - في أفغانستان حيث اتُّخِذَت له الاستعدادات الممكنة فليس كلُّ من وقع في المعركة يُعتبر شهيدًا ، وبالأولى والأولى إذا جُرح في المعركة ثم مات خارجًا عنها ، الشهيد هو الذي يقاتل في سبيل الله - عز وجل - وليس في سبيل الأرض أو في سبيل الوطن كما يقولون في هذا الزمان .

لقد جاء في " صحيح البخاري " من حديث أبي موسى الأشعري أن رجلًا قال : يا رسول الله ، الرجل منَّا يقاتل حميَّةً ؛ هل هو في سبيل الله ؟ قال : ( لا ) . قال : الرجل منَّا يقاتل شجاعةً هل هو في سبيل الله ؟ قال : ( لا ) . قال : الرجل يقاتل كذا وكذا ؟ قال : ( لا ) . قالوا : إذًا فَمَن في سبيل الله ؟ قال : ( مَن قاتل لتكون الله هي العليا فهو في سبيل الله ) . إذًا يجب الإخلاص لِمَن جاهد وقاتل الكفار جهادًا شرعيًّا يجب عليه أن يجعل جهاده خالصًا لوجه الله لا يبتغي وراء ذلك جزاءً ولا شكورًا ، لا وطنًا ولا رئاسة ولا شيئًا من أمور الدنيا .

وقد صحَّ عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه قال : ( بشِّر هذه الأمة بالسَّناء والرفعة والمجد والتَّمكين في الأرض ، ومَن عمل منهم عملًا للدنيا فليس له في الآخرة مِن نصيب ) . ينبغي لا أقول كما يقول الناس - أيضًا - خطأً " كمسلم " ، إنما أقول بصفتي مسلمًا أقول : يجب أن لا يُتوهَّم أن كل إنسان يُقدِمُ على مقاتلة الكفار فهو مجاهد في سبيل الله ؛ يجب أن يكون ذلك كما ذكرت في مطلع هذه الكلمة تحت راية إسلامية وجهاد مُنظَّم اتُّخِذَت له الاستعدادات الممكنة كما قال ربنا - عز وجل - في القرآن الكريم : (( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ )) .

إن وجود إخواننا الفلسطينيين في بلادهم اليوم وتحت ظلم الاستعمار اليهودي الغاشم أشبه ما يكون بوضع المسلمين الأولين في العهد الأول العهد المكي في مكة ؛ لقد كان باستطاعة كثير من أفراد الصحابة في ذلك الزمان أن يهجُمَ أحدهم على كبار كفَّار قريش المجتمعين في ظلِّ الكعبة ، وأن يقتل بعضًا منهم ثم يذهب شهيدًا ، أو أقول : قتيلًا ، ولكننا فيما علمنا من سيرة الرسول - عليه السلام - وتاريخ أصحابه الكرام في العهد الأول العهد المكي لم يقع شيء من ذلك .

سائل آخر : ... .

الشيخ : نعم .

لماذا ؟ لأن الأمر كما قيل في الشعر العربي القديم :

" الرَّأيُ قبلَ شجاعةِ الشُّجعانِ *** هو الأوَّلُ وهي المحلُّ الثَّانِي "

فلا ينبغي للمسلم أن يتورَّط ويُظهر شجاعته بأن يقابل الرصاص والقنابل و و ما أدري ما هنالك من وسائل مدمِّرة أخرى في العصر الحاضر بالحجارة ؛ هذا ليس من الاستعداد الذي أمر الله به ؛ لذلك في اعتقادي يجب على مَن كان في تلك الأرض وفيما يُشبِهُها من الأراضي التي احتلها الكفار واستعمروها أحد شيئين ؛ الأمر الأول أن يهاجروا في سبيل الله كما قال - تعالى - : (( أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا )) ، وإن كانت الأخرى وهي أن يلزموا دارهم لسبب أو آخر فعليهم أن يستعدُّوا الاستعدادَين ؛ الأول أهم من الآخر .

الاستعداد الأول : هو فَهْمُ الإسلام فهمًا صحيحًا ، والعناية بتطبيقه على نفسه وعلى أهله وذويه وجيرانه . والاستعداد الثاني : هو الاستعداد المادي في حدود الإمكانيات التي يُساعدهم وضعهم المحصور باليهود .

أما أن تأتيهم إيعازات أو إشارات من بعض الجوانب أن يثوروا وأن يثوروا أمام السلاح المُتقن الدَّقيق بالحجارة هذا في اعتقادي إنما هو إلقاء بالنفوس في التَّهلكة ، وهذا منهيٌّ عنه ، هذا جوابي عن ذاك السؤال . فلعلي أحطت به جوابًا .

السائل : جزاك الله خير .

الشيخ : وإياك .

مواضيع متعلقة