التعليق على كتاب " فقه السنة " ، سؤر الآدمي وسؤر الهرِّ . - صوتيات وتفريغات الإمام الألباني
التعليق على كتاب " فقه السنة " ، سؤر الآدمي وسؤر الهرِّ .
A-
A=
A+
الشيخ : ... وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمَّدًا عبده ورسوله ، (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ )) ، (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا )) ، (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا )) ، أما بعد :

فإنَّ خير الكلام كلام الله ، وخير الهدي هدي محمد - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار .

بحثنا الليلة في كتاب " فقه السنة " هو " السُّؤر " ، والسؤر كما تعلمون هو الماء الذي يشرب منه حيوان ما سواء كان إنسانًا أو حيوانًا ، ثم يبقى منه بقية ؛ فما حكم هذا السؤر ؟ هذا هو بحثنا الليلة .

يقسم البحث إلى فصول فيقول : الفصل الأول ، يقول : سؤر الآدمي .

يقول : وهو طاهر من المسلم والكافر والجُنُب والحائض ، لا فرق في سؤر الإنسان سواء كان مسلمًا أو كافرًا ، وسواء كان الشارب حائضًا أو طاهرًا أو مشركًا ، هذه الأسآر كلُّها طاهر وحلال شربها ، يستدل على ذلك أو يدفع ما قد يَرِد من شبهة على ذلك من قوله الله - عز وجل - : (( إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا )) ، فيقول : وأما قول الله - تعالى - : (( إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ )) فالمراد به نجاستهم المعنوية من جهة اعتقادهم الباطل ، وعدم تحرُّزهم من الأقذار والنجاسات ، لا أنَّ أعيانهم وأبدانهم نجسة ، وقد كانوا يخالطون المسلمين ، وترد رُسُلُهم ووفودهم على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويدخلون مسجده ، ولم يأمُرْ بغسل شيء ممَّا أصابته أبدانهم .

هذا الفصل في الواقع أمر متَّفق عليه بين المسلمين ؛ أي : أن السُّؤر سواء كان من مؤمن أو كافر ، من طاهر أو حائض أو جنب ؛ هذا السؤر طاهر باتفاق علماء المسلمين لا خلاف بينهم ؛ ولذلك اقتصر المصنف على إيراد شبهة قد ترد في أذهان بعض الناس مع الجواب عنها ، وهي قوله الله - عز وجل - : (( إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ )) . فأجاب بأن نجاسة المشرك ليست نجاسة عينية ، وإنما هي نجاسة معنوية ؛ ذلك لِمَا يقوم في قلوبهم من العقائد الباطلة والآراء الشركية الوثنية ، من أجل ذلك وَصَفَهم الله - تبارك وتعالى - بأنهم نجس ، لا لأنَّ أعيانهم نجسة إذا مسُّوا شيئًا أو داسوا في أرض فيتنجَّس ذلك الشيء ، الجواب : لا .

ويفسِّر هذه الآية على المعنى الذي من أجله ساقَها المصنف حديث ورد في بعض كتب الحديث لكن بإسناد فيه ضعف ، أنا أذكره لفائدتين : الأولى : للتنبيه على ضعفه ، والثانية : لأن هذا الحديث يوضِّح معنى هذه الآية الكريمة .

ذلك الحديث يقول ما معناه : أن وفد نجران لما دخلوا المسجد مسجد الرسول - عليه الصلاة والسلام - كأنه عظُمَ ذلك على أصحابه ، وكأنهم كانوا يتبادر إلى ذهنهم المعنى الظاهر من قوله - عز وجل - : (( إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ )) ، كأنهم كان يتبادر إلى أذهانهم المعنى الظاهر كما فَهِمَه الشيعة ، فالشيعة يفسرون الآية على هذا الظاهر ، أعيانهم نجسة ، فهذا المعنى كأنه تبادر أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فاستنكروا دخول هؤلاء الأنجاس هؤلاء المشركون النصارى إلى مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ولاحَظَ ذلك - عليه الصلاة والسلام - من وجوههم ، فأجابهم بقوله : ( إنه ليس من أنجاسهم على مسجدكم شيء ، إنما أنجاسهم في أنفسهم ) .

فهذه القصة على ضعفها من حيث السند توضِّح المراد من قوله - عز وجل - : (( إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ )) ، أي : نجاستهم نجاسة معنوية ليست نجاسةً مادية ، فإذا شرب الكافر من إناء فيه ماء أو فيه أيُّ شراب ؛ فهذا سؤر طاهر ليس فيه أيُّ شيء ، كذلك إذا استعملوا الأواني طبخوا فيها وصبُّوا المياه والشراب الحلال فيها ، فيجوز لنا أن نستعمِلَها ، اللهم إلا في حالة واحدة إذا كان الوعاء وعاءً يغلب على الظَّنِّ أنهم يستعلمونه إما للخمر المحرَّم عندنا ، وإما أن يغلب على الظَّنِّ أن ذلك الوعاء يطبخون فيه لحم الخنزير النجس القذر المحرَّم ؛ حينئذٍ لا يجوز أن نستعمل هذه الأواني إلا بعد غسلها .

ثم أورَدَ المصنف حديثًا صحيحًا .

السائل : سؤال - أستاذي - : إذا كان هذا الكافر يأكل أو يشرب الخمر أو يأكل لحم الخنزير ، وشربوا الإناء هالبقية إيش ؟ السؤر يعني طاهر أم نجس ؟

الشيخ : هذا الذي نبحثه - بارك الله فيك - ، لعلك جئت بعد أن ذكرنا النَّصِّ من الكتاب وأعَدْناه نحن ، السؤر سواء كان سؤر مؤمن أو كافر أو طاهر أو حائض أو جنب كله طاهر ؛ لأنه لا يوجد دليل في الكتاب أو في السنة على نجاسة سؤر المشرك ، والآية عرفنا وجهها ، وأنا أوردت التفصيل السابق في بعض آنية المشركين خشيةَ أن يفهم أو يتبادر إلى بعض الأذهان أنُّو ما دام السؤر نفسه يجوز شربه فأخذ الآنية من عندهم لصبِّ الماء أو الطعام أو الشراب عليها يجوز من باب أولى ؛ كي لا يتبادر هذ المعنى حتى في هذه الجزئية الخاصَّة أورَدْتُ التفصيل السابق ؛ إذا كان هؤلاء المشركون يشربون الخمر ويصبُّونها في أواني خاصة ، فاستعرناها منهم - مثلًا - أو غنمناها منهم في الحروب الإسلامية - عسى أن تعود إن شاء الله - ؛ فحينئذٍ لا يجوز أن نستعملها إلا بعد تطهيرها وغسلها ، كذلك الأواني التي يغلب على الظَّنِّ أنهم يطبخون فيها لحوم الخنزير ، أما نفس السؤر فليس فيه خلاف بين المسلمين على طهارته ، وكما نعلم الأصل في الأشياء الإباحة مع اتِّفاق المسلمين في هذا ، فالقضية مقطوع بجوازها .

سائل آخر : لعل الأخ يقصد وقت شربهم الخمر أو أكل لحم الخنزير ، هو عم يأكل يبقى عم يتغدَّى مثلًا ... يعني هو يقصد هيك .

السائل : إي نعم .

الشيخ : طيب ، الجواب هو هو ، وإن كان ما تبادر لي .

سائل آخر : ... .

الشيخ : وإن كان ما تبادر لي أنا هذا المعنى من سؤاله ، فالجواب لا يختلف ؛ لأنُّو هذا السؤر له بقى حكم المياه في المبدأ العام .

السائل : ماء متنجِّس أو غير متنجِّس ... سبب .

الشيخ : إي نعم ، أو هذا له حكم سؤر الهرَّة ، فسؤر الهرَّة بالنسبة لبعض المذاهب المعروفة له ثلاثة أحكام ، أما عندنا فليس له إلا حكم واحد ، ثلاثة أحكام أنُّو نجس قطعًا ، طاهر ، أو مشكوك فيه . فنجس قطعًا إذا شفت الهر اصطاد من هون الفأرة ، وجاء إيش ؟ ولغ في الإناء ؛ فهذا الإناء حينئذٍ نجس ، طاهر إذا كان الهرُّ في البيت وأنت مراقبه ما خرج لا راح ولا جاء ، وإنما يأكل الأشياء التي يقدِّمها إليه أهل البيت ؛ فسؤره طاهر ، أما الحالة الثالثة هو الكراهة إذا كان يشك الإنسان أنُّو يكون أكل شيئًا نجسًا ، لكن ليس على يقين في ذلك .

أما عندنا فعندنا حديث : ( إنها من الطَّوَّافين عليكم والطَّوَّافات ) ، فسؤره طاهر ، فسؤر المشرك إذًا من الشرف له أن يُشبَّه بسؤر الهرِّ .

مواضيع متعلقة