هل التسبيح بالمسبحة يعتبر من البدع إذا اعتقد المسبِّح أنه ليس فيها زيادة أجر ولا ثواب ؟ وهل ثبت عن شيخ الإسلام ابن تيمية القول بأنها ليست بدعة ؟ - صوتيات وتفريغات الإمام الألباني
هل التسبيح بالمسبحة يعتبر من البدع إذا اعتقد المسبِّح أنه ليس فيها زيادة أجر ولا ثواب ؟ وهل ثبت عن شيخ الإسلام ابن تيمية القول بأنها ليست بدعة ؟
A-
A=
A+
السائل : هل التسبيح بالمسبحة يعتبر من البدع إذا اعتقد المسبِّح أنه ليس فيها زيادة أجر ولا ثواب ؟ وهل ثبت عن شيخ الإسلام ابن تيمية القول بأنها ليست بدعة ؟

الشيخ : ثبت عن شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - أن السُّبحة ليست بدعة ، لكننا لا نقول بقوله في هذه المسألة ، وحسبنا أننا نتابعه في أكثر آرائه واجتهاداته ، ولكننا لا نُوافقه في كلِّ ما ذهب إليه ؛ لأنه ليس نبيًّا معصومًا يجب علينا اتباعه في كلِّ كبير وصغير ، ثم نحن ليس تيميِّين ، ولو أردنا أن ننتسب إلى رجل غير معصوم لَبَقِيَ كلُّ فرد منَّا على مذهبه القديم ، أنا شخصيًّا كنت حنفيًّا لَبقيتُ حنفيًّا ، وزيد كان شافعيًّا لَبَقي شافعيًّا ؛ لأن هؤلاء الأئمة مشهود لهم بالإمامة وبالعلم والصلاح والتقوى إلى آخره ، فلو كنَّا نريد أن نظلَّ متَّبعين لإمام لوحده لبقينا على ما كنا عليه متَّبعين في ذلك آباءنا وأجدادنا ، ولكن قد هدانا الله - عز وجل - إلى اتباع السنة ، وعلى عدم إيثار شيء يُخالف هذه السنة .

ابن تيمية - رحمه الله - ككثير ممن يذهب إلى أن السُّبحة ليست بدعة ، إنما لاحظ شيئًا واحدًا ؛ وهو أنه وسيلة للعدِّ ، وسيلة وليس غايةً ، ولكنه - رحمه الله - قد فاته شيء بل أشياء ؛ طالما ذكرتها ونبَّهت عليها في بعض مؤلفاتي أو تعليقاتي ، أول ذلك مع الاعتراف من الجميع من ابن تيمية ومن تقدَّمه ومن تأخَّر عنه أن السُّبحة لم تكن في عهد النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - كما كنتُ حقَّقته في المجلد الأول من " سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة " تحت حديث : " نعم المذكِّر السُّبحة " ، ووسَّعت ذلك بيانًا في ردِّي على الشيخ عبد الله الحبشي ؛ فقد ذكرت أن السُّبحة لم تكن معروفةً في عهد الصحابة ، بل لم تكن معروفةً في لغة العرب ؛ لأن السُّبحة في لغة العرب هي النافلة ، أما إطلاق هذا اللفظ على هذا النظام على هذه السلسلة من الحبَّات المختلفة الأشكال والألوان ؛ فهذا اصطلاح حادث لغةً ، كما أن السُّبحة نفسها أمرٌ حادثٌ ديانةً ، لقد خَفِيَ على بعض الناس أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال : ( ما تركت شيئًا يقرِّبكم إلى الله إلا وأمرتكم به ، وما تركت شيئًا يبعِّدكم عن الله ويقرِّبكم إلى النار إلا ونهيتكم عنه ) ، فإذا كان نظرة ابن تيمية وغيره إذا السُّبحة من زاوية أنَّها وسيلة للعدِّ ؛ تُرى ألم يأتِ الرسول - عليه السلام - للناس ولم يسنَّ لهم سنة للعدِّ للأذكار التي أمر أمَّته أو رغَّب أمته على إحصائها وعلى عدِّها ؟ لا شك أنه قد جاء ذلك بطريقتين اثنتين ؛ بقوله - عليه السلام - وبفعله ؛ أما قوله فقد مر النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ببعض النسوة ، فألوى إليهنَّ بيده بالسلام وقال : ( يا نساء المسلمات ، اذكرْنَ الله ولا تغفلْنَ فتنسيْنَ الرحمة ، واعقدْنَ بالأنامل ؛ فإنَّهنَّ مسؤولات ومستنطقات يوم القيامة ) ؛ إذًا هذا أمر من النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لعقد الذكر وعدِّه وإحصائه بالأنامل ، ولم يكتفِ أنه بيَّنَ لهم هذا الحكم الشرعي ، بل قرن مع البيان الحكمة ، ونستطيع أن نقول العلَّة في الأمر بعقد الذكر والتسبيح بالأنامل ؛ قال - عليه السلام - ( فإنَّهنَّ مسؤولات ومستنطقات يوم القيامة ) ، يشير - عليه السلام - بذلك إلى قوله - تعالى - : (( اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون )) ، فهذه الأنامل تكون شاهدةً على صاحبها يوم القيامة بأنها ذكرت الله ، وسبَّحت الله ، و و إلى آخره ، والناس غافلون أو معرضون عن هذه السنة ، هذا بيان رقم واحد من الرسول بالقول .

وبالفعل - أيضًا - ؛ حيث روى أبو داود بإسناده الصحيح عن عبد الله بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أو عن عبد الله بن عمرو بن العاص - الشك منِّي الآن ، ولعل الثاني هو الأقرب إلى الصواب - : " أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - كان يعقد التسبيح بيمينه " ، أو قال : " رأيت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يعقد التسبيح بيمينه " ، فإذًا إذا نظرنا إلى السُّبحة من جانب أنها وسيلة للعقد ولإحصاء العدد فهذا قد جاء الرسول - عليه السلام - بوسيلة خير منها ، تشهد هذه الوسيلة لصاحبها يوم القيامة شهادةً زاكيةً طيِّبة ، فالإعراض عن هذه السنة التي ثبتت بقوله - عليه السلام - وبفعله مع بيان الحكمة بتلك الشهادة ؛ الإعراض عن هذا وهذا بأنَّ السبحة مع الاعتراف بأنها لم تكن في عهد الرسول فهي وسيلة ؛ نقول : الوسائل كالغايات إذا كانت الوسائل وُجِدَ المقتضي للعمل بها ، ثم لم يُعمل بها ، فهل كان السلف بعد أن وُجِدَت السبحة كانوا يضعون تسابيحهم في جيوبهم ، فإذا ما انتهت الصلاة أخرجوها وجلسوا يعدُّون الذكر المشروع تعداده بالسُّبحة أم كانوا يعقدون التسبيح بأيمانهم ؟

لا شك أنهم كانوا هكذا يفعلون ، والسُّبحة هي من بدع الصوفية وكفى ! فمع مخالفة هذه البدعة للسنة لا نرى صوابَ قول ابن تيمية بجواز استعمالها ، وكذلك من وافَقَه على هذا القول ؛ فإنَّ لنا غنية عن استعمالها بما بيَّن لنا النبي - صلى الله عليه وسلم - من هذه الوسيلة الطيبة من العقد باليمنى قولًا وفعلًا .

إلى الآن نرى مظاهر هذه السُّبحة أنها تقليد من بعض المسلمين قديمًا للنصارى ، فالسُّبحة أصلها من النصارى تسرَّبت إلى المسلمين ، النصارى أخذوها من البوذيِّين ؛ فهي بدعة قديمة من بعض أصحاب الأديان السابقة قبل الإسلام ، تسرَّبت إلى النصارى وابتدعوها كما ابتدعوا الرهبانيَّة وغيرها ، ثم تسرَّبت من النصارى إلى المسلمين ؛ فلا نرى نحن جواز العقد بالسُّبحة ؛ لأنَّها مُعارضة للسنة الصحيحة .

بالإضافة إلى ما سبق : إن السُّبحة تجرُّ على أصحابها انحرفات سلوكية ؛ فنحن نجد كثيرًا من المتظاهرين بالزُّهد وبالصلاح والتقوى يعلِّقونها على أعناقهم ، نجد بعض القُرَّاء المصريين بخاصة يلفُّ السبحة في معصمه ، ويرفع يده هكذا يقرأ القرآن ، تجده يفعل هكذا مرَّة ، وهكذا مرَّة ، ويلوِّح بها هكذا ، أشكال وألوان مما يدخل في الرياء !! وأنا أعرف بعض المشايخ في دمشق الشام كان يتظاهر بأنه ورعٌ وتقيٌّ ، ومن ذلك أنه يُدخل يده في جيب جبَّته والسُّبحة بيده ، والسبحة في يده لا يظهرها ، بل قد أخفاها بالجبَّة ، فإذا مرَّ به المار وسلَّم عليه وإذا به يعمل هكذا وعليكم السلام ، طاحت السُّبحة في الهواء ما كان خافيًا صار ظاهرًا ، هذا ورع بارد وتكلُّف أبرد ، لماذا هذا كله ؟ ذلك من تسويل الشيطان لبني الإنسان ، ومصداق ذلك قوله - عليه السلام - : ( خير الهدى هدى محمد ) ، فهل كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعقد التسبيح بالسُّبحة ؟ إنَّ من ضلال العامة أنهم يقولون إن الرسول - عليه السلام - لما مات خلَّف كذا وكذا ، ومن جملة ما خلَّف السبحة ، هذا من ضلالهم ، فكل هذه المفاسد تترتَّب من وراء الإعراض عن السنة والتمسك بالبدعة .

باختصار أقول : إن النظر إلى السُّبحة كوسيلة فقط مع معارضة ذلك للوسيلة المشروعة وهي العقد بالأنامل ؛ فإنه يترتب من وراء استعمال السُّبحة مفاسد سلوكية كثيرة تفسد النوايا السليمة ؛ ولذلك فلا نرى جواز استعمال السُّبحة .

تفضل .
  • فتاوى جدة - شريط : 33
  • توقيت الفهرسة : 00:58:24
  • نسخة مدققة إملائيًّا

مواضيع متعلقة