ما موقف المسلم الملتزم من أنماط وأشكال الحياة المعاصرة المسماة بالحضارة.؟ - صوتيات وتفريغات الإمام الألباني
ما موقف المسلم الملتزم من أنماط وأشكال الحياة المعاصرة المسماة بالحضارة.؟
A-
A=
A+
السائل : ثاني ...

الشيخ : اما ثاني في تحريف في بخس هذا ثاني؟.

السائل : ذاك الأول ما هي نصيحتكم إلى الملتزم الجديد فيما يتعلق بثقافته حول العالم الخارجي الحضارات الأخرى التي تعيش من حولنا أثابكم الله ، ومدى تضلعه في هذه الحضارات ؟

الشيخ : والله الذي أعتقده أن واجب المسلم أن لا يغتر بما يسمونه بالحضارة اليوم ، وإن كنت أعلم مع الأسف الشديد أن كثيراً من الإسلاميين اغتروا ، وصاروا يلحون على المسلمين أن يتحضروا ، وأن يعني يأخذوا بالأسباب التي أخذ بها الغرب حتى تحضروا هذه الحضارة ؛ لا أرى من الصواب أن يهتم المسلم بهذه الحضارة المادية لأن المسلم خُلق لغاية في هذه الحياة الدنيا فعليه أن يسعى لتحقيقها وهي أن يعبد الله تبارك وتعالى إعمالاً لقوله عز وجل : (( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون )) ولا شك أن هذه العبادة ليست كيفية بمعنى أن كل إنسان بغض النظر عن كونه مسلماً أو غير مسلم ، الآن الكلام بصورة عامة للبشر : (( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون )) ليس المقصود بهذه العبادة أن يعبد كل فرد من الأفراد البشرية أن يعبد الله كما يتسنى له ، أو كما يخطر على باله أو كما ورث ذلك من آبائه وأجداده ، وإنما عليه أن يعبد الله ، كما شرع الله وحينذاك إذا تنبهنا لكون العبادة ، ينبغي أن تكون بهذا القيد : (( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون )) ، ليعبدوني على ما شرعت لهم وذلك لا يكون إلا بأن يكون مسلماً لله ولرسوله ، هذا أولاً ، وثانياً : لا يكون هذا الإسلام ، متحققاً في ذاك المسلم الذي يريد أن يحقق هذه الحكمة البالغة من خلق الله عز وجل للجن والإنس ، ينبغي أن يهتم كل الاهتمام بأن يفهم كيف تكون عبادة الله - عز وجل - ليحقق هذه الحكمة القرآنية ، وفي اعتقادي أن المسلم إذا توجه لتحقيق هذه الغاية التي من أجلها خُلق الثقلان ، فذلك سوف لا يفسح له مجالاً أن يفكر فيما يسمى اليوم بالحضارة الغربية ، وبخاصة أن هذه الحضارة لم تختص بمفهومها فيما قدمت إلى البشرية ، من خدمات جلية جليلة ، لا يمكن إنكارها فيما يتعلق بالطب ، وما يتعلق بتيسير الطرق ونحو ذلك فحدث عن هذا النوع ولا حرج ، لكن الحضارة لا تعني فقط هذه الفوائد المادية وإنما تعني منطقاً خاصاً حملهم على هذا التخصص إلا من ذلك قولهم وإعلانهم بوجوب فصل الدين عن الدولة ولذلك تورط كثير من المسلمين الذين لم يفقهوا بطبيعة الحال إسلامهم ودينهم ، رغبوا وكثيراً ما نقرأ مثل هذه الإدعاءات في جرائد اسلامية رأوا ان يقلد المسلمين الأوروبيين والأمريكان في أن يفصلوا الدين عن الدولة ، الدين عن الحكم ، ويتمثلون بما ينقلونه عن الإنجيل " دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله " الحق وهذه حقيقة لا تخفى على العلماء في هذا العصر أن الأوروبيين ما نهضوا هذه النهضة المادية ، إلا حينما ابتعدوا عن دينهم ، لا أقول حينما ابتعدوا عن الدين وإنما حينما ابتعدوا عن دينهم وحُق لهم ذلك لأن دينهم الذي دخل فيه التحريف في الأصل من التوراة والإنجيل انحرف بهم عن مقتضى العقل السليم وعن الاستفادة من العلوم الكونية والطبيعية ولذلك رأوا أن لا مناص لهم من أن يبتعدوا عن نصوص الدين عندهم وأن يعملوا بمقتضى عقولهم فنجحوا في جانب وهو الجانب المادي اللي يسموه العلم الحضاري ويغتر به كثير من المسلمين ، علماً أن كثيراً من الكتاب الأوروبيين يعترفون أن أصل ما عندهم من الحضارة النافعة ومن الرقي العلمي الطبي ونحو ذلك ، فإنما استفادوه من علماء المسلمين ، هؤلاء المسلمون حصلوا تلك العلوم تجاوباً منهم مع الكتاب والسنة ، فالسنة والكتاب لا يحارب كل منهما العلم الذي يُعتمد فيه على توجيه الله عز وجل ، لما ينفع الناس ، كيف ومن نصوص السنة ، قوله عليه السلام : ( خير الناس أنفعهم للناس ) ، وقوله : ( من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل ولا يُقصر ) ، ولذلك فالإسلام باختصار أقول : يأمر بالأخذ بكل الوسائل الممكنة التي تحقق سعادة للبشرية كالمحافظة على الصحة والمحافظة على المال والمحافظة على النظام ، ونحو ذلك ولكن بشرط في حدود الإسلام ، وليس انفلاتاً من الإسلام كما هو شأن الغربيين ؛ لذلك لا يجوز لنا أن نغتر بالمدنية الغربية ، أو الحضارة الغربية ؛ لأنه فيها ما ينفع ، وفيها ما يضر وهو الأكثر ، (( ويتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه )) فشرهم أكثر من خيرهم ، إذا ما اتبع المؤمن سبيلهم أما إذا أخذ منهم وترك ، أخذ ما لا ينافي الإسلام ولا يخالفه ، فهذا أمر جيد وطيب ، والإسلام قد خطط لنا شيئاً يدلنا على هذا ، ويدع لهم ضلالهم وكفرهم وتبرجهم وعريهم وعدم اهتمامهم بالأخلاق والأعراض ونحو ذلك ، مما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مما قد يكون له علاقة في بعض جوانب هذا الجواب ، جاء في صحيح البخاري من حديث المغيرة بن شعبة ، ( أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يلبس جبة رومية ضيقة الكمين ) وصفت هذه الجبة بأنها رومية أي من صنع الرومان ، فما كان ذلك ليمنع الرسول عليه السلام من أن يتخذ لباساً من هذا النوع ؛ لماذا ؟ لأنه ليس فيه الأخذ بكل عادات وتقاليد الكفار ، كما يريد بعض الناس اليوم ممن لم يفقهوا دينهم ، أو تبرأوا من دينهم أن نأخذ المدنية الغربية ، أو الحضارة الغربية من ألفها إلى يائها فنحن نأخذ كما قلنا بناءً على هذا الحديث ما ينفعنا في أمور دنيانا ، أما ما يتعلق بالثقافة الفكرية والعقلية فهذا يجب أن نقف عند حدود الشرع كما جاء في قصة " اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط " مر عليه السلام في سفر له مع أصحابه بشجرة ضخمة كان المشركون يعلقون عليها أسلحتهم ، فقال بعض أصحابه ويبدو أنه كان حديث عهد بالإسلام ، لم يتفقه بالإسلام لم يعرف قواعده وأصوله ، قال هذا البعض: يا رسول الله ، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط ، قال عليه الصلاة والسلام : ( الله أكبر ، هذه السنن ) وفي رواية : ( هذه السنن ، لقد قلتم كما قال قوم موسى لموسى اجعل لنا آلهة كما لهم آلهة ) انظروا الفرق بين قول اليهود لموسى وقول بعض أصحاب الرسول للرسول ، اليهود يطلبون تحقيق الشرك ، اجعل لنا إلها نعبده من دون الله ، كما لهم آلهة ، أصحاب الرسول هذا البعض منهم لم يزد على قوله اجعل لنا شجرة ، مثل : إذا قال القائل اجعل لنا خزانة نعلق عليها أو فيها ثيابنا ، مع ذلك ما رضي الرسول عليه السلام ، هذه الكلمة لأنها في اللفظ ، وهذا هو الشرك اللفظي ، باللفظ يشبه قول أولئك (( اجعل لنا إلها كما لهم آلهة )) اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط ، فعظم الأمر على الرسول عليه السلام ، وقال : ( الله أكبر ، هذه السنن ) كما أشار في الحديث في صحيح البخاري : ( لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر ، وذراعاً بذراع ، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ) فإذا ً نحن لا يجوز لنا نتبع الأوروبيين في حضارتهم لأنها ليست فقط حضارة علمية صناعية ، بل هي قائمة على الكفر ، والابتعاد عن الأديان كلها وحق لهم أن يبتعدوا عن أديانهم لأنها محرفة ، ولا تؤدي إلى سعادة الناس في الدنيا ، فضلاً عن سعادتهم في الآخرة ، ولذلك نختم هذه الكلمة ، يقول الرسول عليه السلام لعمر بن الخطاب لما رأوه وفي يده صحيفة ، قال : ( ما هذه ؟ ) ، قال : " هذه صحيفة كتبها لي رجل من اليهود " ، قال عليه الصلاة والسلام : ( أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى ؟ ! والذي نفس محمد بيده ، لو كان موسى حياً ، ما وسعه إلا إتباعي ) ، فإذاً نحن لا نتبع نظاماً ، ولا حضارة ولا أي شيء ، وإنما حسبنا كتاب ربنا وسنة نبينا - صلى الله عليه وسلم - وفي ذلك الخير كله ، إن شاء الله .

السائل : هنا ملاحظة بسيطة جداً ، السؤال يشمل دراسة الحضارات الأوروبية ، مش دراستها من أجل ...

الشيخ : إذا كان المقصود بالسؤال أيضاً الدراسة ..

السائل : عفواً ، يشمل فقط معلش جزاك الله خير ..

الشيخ : معليش ، أقول دراسة الحضارة الغربية ، كدراسة الكتب التي يسمونها بغير اسمها ، بالكتب المقدسة ، هذه الدراسة نحن نقرها ، نعم ، نحن نقرها لكن بشرط قلما يتحقق ، هذه الدراسة للحضارة الغربية ، بأفكارها وتاريخها ومنهاجها وإلى آخره ، فضلاً عن دراسة الكتب المحرفة التي عندهم ، هذه لا يجوز لمسلم أن يدرسها ، إلا بعد أن يتمكن في فهمه لشريعة دينه ، وإلا كان معرضاً نفسه للخطر ، وإذا كان الرسول عليه السلام مخاطباً لعمر الفاروق بقوله : ( أومتهوكون أنتم ، كما تهوكت اليهود والنصارى ) إلى آخر الحديث . فماذا نقول لشاب لم يدرس الشريعة مطلقاً . وإنما درس شهادة ثانوية شهادة ماجستير أخذ دكتوراه مثلاً في علم الاقتصاد ، أو علم آخر من علوم الدنيا . لا ننكر نحن هذه العلوم ، لكن يجب أن تكون على ضوء الكتاب والسنة ، وهذا أبعد ما يكون في واقع في العالم الإسلامي اليوم . لذلك فدراسة هذه الحضارات أعتقد أنا أنها من الواجبات الكفائية . ولكن من الذي يقوم بها ؟ من كان متمكناً في معرفته لدينه وأحكام شريعته والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

السائل : جزاك الله خيراً .

مواضيع متعلقة