قال ابن كثير في " تفسيره " في قوله - تعالى - : (( وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا )) ، وهل تعارض الآيةُ ما ذكره عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - من عدم المغالاة في مهور النساء ، واعتراض المرأة عليه ؟ - صوتيات وتفريغات الإمام الألباني
قال ابن كثير في " تفسيره " في قوله - تعالى - : (( وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا )) ، وهل تعارض الآيةُ ما ذكره عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - من عدم المغالاة في مهور النساء ، واعتراض المرأة عليه ؟
A-
A=
A+
الشيخ : هنا سؤال عن قصة مشهورة ، يقول السَّائل : قال ابن كثير في " تفسيره " : (( وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ )) الآية ، ما خلاصته طريق أخرى عن عمر ، قال الحافظ أبو يعلى : حدثنا أبو خيثمة ، حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا أبي ، عن أبن إسحاق ، حدثني محمد بن عبد الرحمن ، عن خالد بن سعيد ، عن الشَعبي ، عن مسروق ، قال : رَكِبَ عمر بن الخطاب المنبر ، ودعا إلى تحديد المهور ، فاعترضته امرأة من قريش ، فقالت : نهيْتَ الناس أن يزيدوا في مهر النساء وقرأَتِ الآية ، فرجع عمر وقال : اللهم غفرًا ، كل الناس أفقَهُ من عمر ، وركِبَ المنبر ورجع عن رأيه . قال ابن كثير : إسناده جيد قوي ؟

جوابي على هذا أن هذا الإسناد فيه رجل وقع اسمه خطأ في النسخة المطبوعة كما سمعتم آنفًا ، عن خالد بن سعيد ؛ فهذا محرَّف من مُجَالد بن سعيد ، خالد بن سعيد لا وجود له في الرواة ، وإنما صوابه مُجَالد بن سعيد ، وهكذا هو في " مسند أبي يعلى " الذي عَزَا ابن كثير الحديث إليه ، ومُجَالد بن سعيد هذا فيه كلام كثير عند المحدثين ، وفيه يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه " تقريب التهذيب " : " ليس بالقوي " ، هذا نقد الإسناد ، وهو الذي يسمَّى في اصطلاح بعض الكُتَّاب المعاصرين بالنقد الخارجي .

وعندي نقد للمتن ؛ وهو المسمَّى بالنقد الداخلي ، وذلك من ناحيتين اثنتين ؛ يعود أحدهما إلى ما يُعرف عند المحدثين بالحديث الشاذ أو المنكر ، ذلك أن مُجَالد بن سعيد هذا مع ضعفه في حفظه قد خالف الطريق الصحيحة التي ورد بها حديث نهي عمر - رضي الله عنه - الصحابة أن يزيدوا في مهور النساء على مهر الرسول - عليه السلام - الذي جعله لأزواجه ، وهو أربع مئة درهم .

لقد صح في " سنن الترمذي " و " مسند أحمد " وغيرهما عن عمر أنه نهى الناس الآباء أولياء النساء أن يأخذوا مهورًا لهنَّ أكثر من أربع مئة درهم ، فهذا المقدار هو المهر الذي كان الرسول فَرَضَه لنسائه ، إلى هنا القصة صحيحة ، فلما يأتي مُجَالد بن سعيد مع ضعفه يزيد على الثقات الذين رَوَوْا القصة بدون هذه الزيادة وهي قصة العجوز ؛ فحينئذٍ تصبح زيادته منكرة ، هذا من حيث مخالفته للثقة .

ومن حيث المعنى ، فأنا الذي أفهَمُه من قوله - تعالى - : (( وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا )) ، هذه الآية لم تنزِلْ لوضع مبدأ أو قاعدة في تنظيم المهور وأن لا يُغالى فيها ، وإنما نزلت هذه الآية تأمر الزوج أن يَفِيَ لزوجته بما فَرَضَ لها من مهر حتى ولو كان قناطير مقنطرة ، فالآية سِيقت لأجل الحضِّ على الوفاء كما قال - عليه الصلاة والسلام - في حديث البخاري : ( أحقُّ الشروط بالوفاء ما استحلَلْتُم به الفروج ) ؛ أي : إنسان تزوَّج امرأة على مئة ألف ، فعليه أن يَفِيَ لها بهذا إذا أراد أن يطلِّقَها ويجيب بدلها ، ما يقول أنا يعني هذه المرأة ما عادت تصلح لي فما يدفع لها ما كتب لها !! يجب أن يدفع لها ، (( وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا )) ، فالآية سِيقت لمبدأ وجوب الوفاء بما تعاقد الزوج مع زوجته .

السائل : تفسَّحوا تفسَّحوا .

الشيخ : ... تعالج أمرًا ، والآية تعالج أمرًا آخر ، موعظة عمر تحضُّ المسلمين على أن لا يغالوا في مهور نسائهم ، الآية تحضُّ الزوج أن يَفِيَ بشرطه لزوجته مهما كان عَقَدَ لها من مهر ؛ فإذًا أمران منفصلان أحدهما عن الآخر تمام الانفصال ، وبمعنى آخر لو تكلَّمت أنا ، وأنا مَن أنا بالنسبة لعمر ؟ لا شيء ؛ لو تكلّمت في موضوع عدم المغالاة في مهور النساء ، فقام رجل من أفاضل الرجال مش امرأة ، واعترض عليَّ بالآية لَقلت له : يا أخي ، الآية لا تتعارض مع هذا الذي أحضُّ الناس عليه ، أنا أحضُّ الناس أن تستنُّوا بسنة الرسول - عليه الصلاة والسلام - الذي سَنَّ للمسلمين عدم المغالاة في المهور عملًا ، وذكر في بعض الأحاديث ما يُفيد أن خير النساء أي أقلهنَّ مهورًا ، فأنا أتكلم في تأكيد هذه السنة القولية والعملية ، وأحضُّ المسلمين على أن يلتزموها وأن يتمسَّكوا بها وأن يعضُّوا عليها بالنواجذ ، لكن لو أن رجلًا خطب امرأة على مهر غالي غالي جدًّا ، وبنى بها على هذا الشرط ، وعاش معها ما عاش ، ثم أراد أن يطلِّقَها ، فلا يأخذ من ذلك فلسًا ولو كان كتب لها قنطارًا ، فما فيه تعارض بين توجيهي وبين الآية ، لو أنا ، وكما قلت لكم وأنا مَن أنا بالنسبة لعمر ؟ قيل لي واعتُرِضَ عليَّ بالآية لَأوضحت أن الآية لا تتعارض مع مبدأ تقليل المهور ، وإنما الآية تأمر بالوفاء بالشروط التي تزوَّج الرجل المرأة عليها .

السائل : مثل عمر نهى ولَّا حضَّ ؟

الشيخ : حضَّ ، حضَّ ، لكن حضُّه كان قويًّا بحيث أنه هدَّد أن مَن بلغه .

السائل : ... .

الشيخ : أنه أنه ، ما بيهمنا على كل حال ، نحن الآن في صدد بيان ما في هذا الحديث من مخالفة .

السائل : فرق بين وعظ الناس بعدم غلاء المهور وبين النهي أو المنع .

الشيخ : هل لهذا علاقة ببيان ضعف الحديث ؟ هذه مسألة أخرى ما نخلط شعبان برمضان .

السائل : اشرح لنا من ناحية أنُّو ما في تعارض بين الآية والحديث .

الشيخ : نعم ، ولا أزال ، لو نهى عمر ما فيه تعارض ؛ لأنُّو عمر راح أقول لك : عمر نهى ، وحرَّم أن وليَّ البنت بنبغي أن لا يغالي في المهر ، نقول هكذا : حرَّم ، ثم بَلَغَه أن رجلًا خطب امرأة على قنطار ، ودخل عليها وبنى بها على هذا ، هل يقول له عمر : لا تَفِ بما عقدت عليه العقد ؟ لا ، لا يزال كلامي ماشي ، هذا في جانب ؛ أي : ما كان عليه عمر سواءً حرَّم صراحةً ولم يفعل ذلك ، هذا ما يدخل في باب المصالح المرسلة ، هو يحضُّ المسلمين على الاستنان بسنة سيد المرسلين ، هذا من زواية . من زواية أخرى يهدِّدهم بأنه إن بَلَغَه أن أحدًا أخذ مهرًا بأكثر من أربع مئة يترك الأربع مئة للبنت والزيادة يضُمُّه لبيت مال المسلمين ؛ هذا لا يُناقض أن الآية أمرت بالوفاء ولو كان أعطى لها قنطارًا ، فلا يأخذ منه شيئًا .

السائل : يعني ما تراجع عمر يعني عليه ؟

الشيخ : لا ، ما تراجع ، ما فيه تراجع .

إذًا ثبت من بياني السابق أن الحديث فيه ثلاثة علل :

العلة الأولى : ضعف مُجَالد بن سعيد وليس خالد بن سعيد على أرجح الأقوال عند المحدثين .

العلة الثانية : مخالفة مجالد بن سعيد للرواة الثقات الذين رَوَوْا القصة بدون زيادة المرأة فيها .

العلة الثالثة - والأخيرة - : وهي أن اعتراض العجوز على عمر غير منسجم مع قصد عمر على حسب ما بيَّنَّاه آنفًا .

مواضيع متعلقة