الحديث الثاني من باب الترغيب في الصبر . - صوتيات وتفريغات الإمام الألباني
الحديث الثاني من باب الترغيب في الصبر .
A-
A=
A+
الشيخ :

حديثنا اليوم هو الحديث الثاني من باب الترغيب في الصبر وهو حديث صحيح كما يدل عليه

التخريج الآتي وهو قوله رحمه الله وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى

الله عليه وسلم قال ومن يتصبر يصبره الله ـ هكذا الحديث لأنه قطعة ـ وما أعطي أحد عطاء

خيرا وأوسع من الصبر رواه البخاري ومسلم في حديث تقدم في المسألة أي في الزكاة ورواه

الحاكم من حديث أبي هريرة مختصرا ما رزق الله عبدا خيرا له ولا أوسع من الصبر وقال

صحيح على شرطهما هاذان الحديثان أحدهما من حديث أبي سعيد الخدري وهو متفق عليه بين

الشيخين والآخر من حديث أبي هريرة تفرد بإخراجه كلاهما الحاكم في المستدرك حديث أبي

هريرة هو حديث طويل أو فيه بعض الطول كان أورده المصنف رحمه الله في باب النهي عن

المسألة في كتاب الزكاة ويقول في الحديث أن هناك بعض الأنصار إلى النبي يسألونه أي شيئا

من العطاء والمال فأعطاهم الرسول عليه السلام ثم سألوه فأعطاهم أيضا وهكذا للمرة الثالثة

سألوه فأعطاهم ثم وعظهم الرسول عليه السلام أن يصرفهم عن أن يعودوا الى السؤال المذكور

مرة أخرى الا لضرورة ملحة فقال عليه الصلاة والسلام الصلاة بهذه المناسبة من يستعفف

يعفه الله ثم قال ومن يتصبر يصبره الله فالشاهد أن هذه الفقرة الّتي ذكرها المؤلف هنا لها صلة

واضحة في باب الترغيب في الصبر لكن نلاحظ في هذا الحديث لم يقل ومن يصبر وإنما قال

من يتصبر يصبره الله فهنا فائدة شرعية تربوية خلقية كما يقولون اليوم هذه الفائدة هي أن

الأخلاق منها ما هي جبلية ذهنية فطرية ومنها ما هو كسبي وما هو باجتهاد من المكلف ولا شك

أن كثيراً من الناس يجبلون ويفطرون على كثير من الأخلاق الطيبة الحسنة كالصبر وكالجود

والكرم وكالشجاعة ونحو ذلك من الأخلاق الحسنة الصالحة ولكن ليس معنى ذلك أن القضية

متوقفة على الحظ وعلى الفطرة والجبلة فقط وإنما هناك أيضا مجال بأن يكتسب المسلم من هذه

الأخلاق ما لم يرزق منها فضلا من الله عز وجل وخلقا منه لهذا الإنسان عليها مباشرة فهذا

الحديث جاء ليلفت النظر إلا هذه الحقيقة فهو يقول من يتصبر يصبره الله أي من يتطلب ويتكلف

أن يحمل نفسه على الصبر فالله عز وجل يعينه على ذلك ويصبره لذلك لا ييأس الرجل إذا ما

لاحظ من نفسه ضعفا ما في خلق ما فيقول أن الأخلاق مقسومة كالأرزاق مثلا لأننا سنقول أن

هذا كلام صحيح ولكن هذا لا ينفي أبدا أن يتعاطى المسلم الأسباب الّتي يقوي بها في نفسه

الأخلاق الحسنة الّتي أمر الشرع بها ولعل الحديث المشهور والصحيح .

الإسناد ألا وهو قوله عليه الصلاة والسلام إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق فيه لفتة نظر لطيفة

إلى هذه القضية وإلا ما فائدة هذا البعث إذا كانت القضية مربوطة بالأشخاص الّذي فطروا

وجبلوا على الأخلاق الحسنة وجماهير الناس يذهبون هكذا سدى وهبائا منثورا لأنه لا سبيل لهم

لأن يتخلقوا بالأخلاق الصالحة جواب الأمر ليس كذلك فالله عز وجل قد فطر الناس بلا شك على

طبائع وعلى أخلاق ولكنه تبارك وتعالى لكمال ربوبيته أيضا جبلهم وفطرهم على ما به

يتمكنون من إصلاح ما بهم من خلق سيء ولولا هذا لم يكن هناك فائدة من إرسال الرسل

وإنزال الكتب لأن كل إنسان سيكون أنا وما فطرت عليه من خير أوشر هذه المسألة تماما لها

علاقة بالسعي وتعاطي الأسباب كالمسئلة الأخرى وهي التي أهم ألا وهي مسألة القضاء والقدر

الّتي شغلت العلماء قديماً وحديثا علماء شرعيين أو فلاسفة دئبيين وأمثالهم فكثير من هؤلاء حتى

من علماء الشرعي فهموا من القدر ما يساوي الجبر وأن الإنسان لا يملك شيء من التصرف

إطلاقا وإنما هو القدر أي بزعهم الجبرٍ الأمر ليس هكذا وإنما هناك سعي للإنسان وإرادة وكسب

لهذه الإرادة وهذا الكسب جاءت في أحكامه الشرعية لتقول افعل ولا تفعل ومن ذلك اصبر وما

صبرك إلا بالله فلو كان الإنسان لا يستطيع مثلا أن يصبر إلا إذا كان فطر وجبل على الصبر لم

لمثل هذا الأمر فائدة بل كان ذلك من باب تكليف ما لا يطاق ، وتكليف مالا يطاق هو باب مغلق

ليس له أصل في الشرع الا بعض الناس الذين انحرفوا في العقيدة فتصوروا ربهم تبارك وتعالى

في عزته وفي كبريائه جباراً يفعل ما يشاء دون حكمة ودون أي عدل هكذا يتصورون وأهل

السنة الّذين وفقهم الله تبارك وتعالى لفهم هذه المسألة الخطيرة مسألة القضاء والقدر فهماً لا

يتعارض مع النصوص ولا مع مبادئ الأخلاق ، يقولون إن الله عز وجل بلا شك فعال لما يريد

لا يسأل عما يفعل ولكن هذا لا ينقضي تفسيره أن يقال فعال لما يريد أي يظلم لأنه فعال لما

يريد لا يسأل عما يفعل لأنه الجبار وليس من فوقه من يأخذ بيده ويمنعه عن تصرفه ليس تأويل

مثل هذه الآيات سبيله هذا التأول وإنما معنى فعال لما يريد ولا يريد بعباده الا الخير ولا يريد

لهم إلا الإيمان كما قال في صريح القران :{ولا يرضى لعباده الكفر} .

كذلك قوله عز وجل لا يسأل عما يفعل ليس معنى ذلك لأن لا أحد يستطيع أن يعترض سبيله

لكن الحقيقة أن الله عز وجل لأنه في كل ما يفعل ففعله لا يتجرد عنه سائر صفاته ومنها الحكمة

أو حينما يفعل شيئا فالحكمة مقترنة بهذا الفعل كذلك العدل وتنزه الله عن الظلم كل ذلك يقترن

أيضا بتصرفاته تبارك وتعالى وأفعاله بعباده فحين ذلك معنى قوله عزوجل :لا يسأل عما يفعل

أي ليس هناك مجال يسأل سبحانه وتعالى عما فعل لأنه ما فعل إلا عين الحكمة وعين العدالة

فمثل ما يقال في موضوع القضاء والقدر يقال أيضا في موضوع الأخلاق ألا يجوز أن نتصور

أن التربية الأخلاقية لا تفيد شيئا لأن القضية تعود إلى الفطرة والجِبِلة فقط وإلا معنى هذا كمعنى

فهم جبر من القدر تعطيل فائدة إرسال الرسل وإنزال الكتب إذا قيل الإنسان مجهوظ إذا لماذا

يقال إن الله عزوجل يقول لكل العباد افعلوا ولا تفعلوا والإنسان مجبور كذلك لماذا نؤمر بأن

نتخلق بأخلاق حسنة ومنها الصبر إذا افترضنا ألا سبيل إليه إلا من فطر عليه فجاء هذا الحديث

حديث لتأكيد هذه القاعدة النقية وهي أن الإنسان باستطاعته أن يُخَلق نفسه بأخلاق الصالح ومن

هذا القبيل أيضا الحديث المشهور وهو حديث حسن لغيره وهو قاوله عليه الصلاة والسلام إنما

العلم بالتعلم والحلم بالتحلم كل هذا يدخل في هذا الباب هنا يقول ومن يتصبر يصبره الله وهناك

يقول إنما الحلم بالتحلم أي لا ييأس الإنسان إذا لم يرزق حلما أنه لا سبيل له إلى هذا الحلم لأنه

من الممكن التريث ومعالجة الإنسان لنفسه بأن يُخَلق نفسه ببعض الأخلاق الصالحة الّتي لم

يفطر ولم يجبل عليها ومن هذا المبدئ المدعم بالقرآن وبالسنة كما ترون نستطيع أن نفهم بطلان

حديث من حيث إسناده وإن كان من حيث إسناده ضعيفاً ذلك الحديث الذي يقول إذا سمعتم بجبل

زال عن مكانه فصدقوا وإذا سمعتم برجلا زال عن خلقه فلا تصدقوا لو كان هذا الحديث

صحيحا لعطل تنزيل الكتب وإرسال الرسل والأمر بالتخلق بالأخلاق حسنة وبالتصور والتصبر

وبنحو ذلك من الأخلاق ما دام أن الأمر صدقوا إذا سمعتم بزوال جبل من مكانه ولا تصدقوا إن

زال رجل عن طبعه وعن خلقه إذا كل المبادئ وكل الشرائع لا قيمة لها وحاشا أن يكون الأمر

كذلك فإذا في هذا الحديث لفتة نظر كريمة من النبي صلى الله عليه وسلم إذا هذا المبدئ خلقي

وهو أن المسلم ولو لم يكن صبوراً بفطرة فباستطاعته أن يصبر نفسه فلا يتعلل بقوله أنا ضيق

الصبر هيك الله خلقني الله خلقك هيك ما خلقك لتبقى هكذا وإنما خلقك لتجاهد نفسك كما أنه

الإنسان من الناحية المادية ممكن أن نضرب على هذا مثلاً بحالة مادية لو أن الإنسان ترك

نفسه كما خلقه الله عز وجل فالله عز وجل فرض على الإنسان نوعا من الحياة لكن هناك أشياء

ماهي مفروضة عليه أريد أن أقول أن الإنسان يأتي من بطن أمه صغيرا لا يدري شيئا ثم ينشأ

ويكبر ويكبر هذا مفروض عليه شاء أم أبا ولكن نجد الناس بمحض اختيارهم كل فرد منهم ينحو

منحا في هذه الحياة يختار مهنة أو صنعة أو نحو ذلك مما هو مباح وأحياناً ماليس مباحا ونجد

رجلاً مثلا قوي العضلات وآخر هزيلها فنحن لا نستطيع أن نقول أن الأول هكذا خلقه الله على

العكس من ذلك الأول كالثاني تماما كلاهما خلقوا على وتيرة واحدة وعلى طبيعة واحدة لم يلد

مولود وله عضلات ولا كبر الولد وصار عمره أربع خمس سنوات وله عضلات وإنما لما

يبدأ يعقل الحياة و يعقل فوائد الرياضة والتمارين والحركة والذهاب والمشي وإلخ ... وبعض

الناس يتخذون هذه الوسائل ولاسيما وهي مباحة فيقوى بذلك جسمه ويصبح هذا الجسم منيعا

أمام كثير من الأمراض والأوباء على خلاف الشخص الآخر وهو مثل الأول من حيث الجبلة

يبقى من حيث جسده هزيلاً ضعيفاً ليس عنده من الصبر ما عند ذاك من تحمل الأمراض

والمشاق نحو ذلك فكيف هذا الأول تعاطى الأسباب فتقوى بها جسده والآخر أهمل هذه الأسباب

فبقي كما هو هذا مثال تقريبي كيف يمكن للمسلم أن يقوي أيضا فيه النواحي الأخلاقية بأن يمرن

نفسه على ذلك لهذا قال عليه الصلاة وسلام في هذا الحديث ومن يتصبر يصبره الله تبارك

وتعالى وإذا لاحظنا سبب ورود الحديث الّذي أحال المصنف عليه كتاب الزكاة وذكرناه لكم آنفا

وهو يقول لهؤلاء الّذين سألوه أول مرة فأعطاهم وثاني مرة فأعطاهم وثالث مرة فأعطاهم يقول

لهم لو أنكم صبرتم لكان خيراً لكم ماذا سيصيبكم لو لم تسألوني مرة الأولى والثانية والثالثة هل

تموتون جوعا لا إذا من يستعف يعفه الله أي قد لا يكون الإنسان بطبعه عفيفا هذه خصلة جميلة

وحسنة في الإنسان لكن ما كل إنسان يرزقها فإذا ما جاهد نفسه وعفها عن السؤال لغير

الضرورة فالله عز وجل يعفه أي يساعده على أن يصبح مع الزمن عفيفاً كذلك ومن يتصبر

يصبره الله تبارك وتعالى أن يتكلم هو الصبر عن مثل هذا السؤال لأن السؤال كما كان مضى

معنا قديماً في كتاب الزكاة ليس مستحسنا إلا للضرورة فلعل الكثير منكم يذكر أن أفراداً من

أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم أبو بكر منهم أبو الدرداء وأبو ذر بايعوا الرسول صلاة

الله عليه وآله وسلم ، على أن لا يسألوا الناس شيئا كان أحدهم الناس شيئاً مطلقاً ذلك لأنه كما

يقال في بعض الأقوام السؤال ذل ولو أين الطريق لذلك كان هؤلاء الصحابة الذين بايعوا الرسول

على أن لا يسألوا الناس شيئا كان أحدهم إذا كان راكبا على ناقته فسقط السوط من يده والرجل

أمامه يمشي معه في الطريق صدفة أو على اتفاق سابق لا يقول له من فضلك ناولني السوط ـ

أعطين الكرباج وإنما يميط ناقته لأنه لو راكب حمار صغير أو غير كذلك لكان أهون لكن

ركوب الناقة لها علاج خاص كما هو مشاهد فهو مضطر أن يميخ ناقته ليبركها على الارض

ليأخذ السوط بيده لكي يتحاشا بذلك أن يقول لصاحبه ناولني السوط فألو وأولى أن لا يسأل أمثال

هؤلاء الّذين بايعوا الرسول صلوات الله وسلامه عليه على هذه الخصال من الأخلاق الكريمة أن

يأتوا إلى الملك أو الرئيس فأعطينا .... عشرة آلاف أنا محتاج الى آخره من يستعف يعفه الله

ومن يتصبر يصبره الله هكذا يربي الرسول صلى الله عليه وسلم أمته على الأخلاق الحسنة ثم

قال عليه السلام بيانا لفضيلة الصبر وما أعطي أحد عطاءً خيرا وأوسع من الصبر لو ربطنا

هذا الحديث بفقرة من الحديث السابق الدرس الماضي الطهور شطر الإيمان وقال عليه السلام

والصبر ضياء وقلنا يومئذ عن السمع أو عن الحكمة لأن الرسول عليه السلام عن الصبر أنه

ضياء وعن الصلاة أنها نور وذكرنا أن النور يستمد قوته ونوره من الضياء وفي ذلك إشارة

إلى أن الصلاة من الصبر فمن لا يصبر على طاعة الله عز وجل لا يطيعه ولا يصلي له ومن

هنا نفهم أن الإنسان لم يعطى شيئا خيرا له من الصبر والصبر هو الّذي يمده بالقوة وبالطاقة

على أن يأتمر بما أمر الله به وأن ينتهي بما نهى الله عنه مثل ذلك الحديث الثاني وهو حديث ابي

هريرة ما رزق الله عبدا خيرا له ولا اوسع من الصبر لأن هذا الصبر هو الذي يمده بالقوة

والباقة على أن يأتمر بما أمرا لله به وأن ينتهي عما أمر الله عنه مثل ذلك الحديث الثاني وهو

حديث أبي هريرة ما رزق الله عبداً خيراً ولا أوسع من الصبر أولهما موضوع والثاني ضعيف

جدا أما اّلذي بعدهما فهو حديث موقوف وصحيح الإسناد إلى راويه وهو قوله وعن علقمة قال

قال عبد الله الصبر نصف الإيمان واليقين الإيمان كله رواه الطبراني في الكبير ورواته رواة

الصحيح وهو موقوف وقد رفعه بعضهم الصواب في هذا الحديث أنه من كلام عبد الله وهو هنا

عبد الله ابن مسعود وهذه نكتة حديثية إذا أطلق عبد الله في الصحابة فالمراد به هو هذا عبد الله

ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه لا سيما وهنا قرينة وهي أن الراوي لهذا الأثر عن عبد الله

هو ابن علقمة فهذا الإسناد علقمة عن عبد الله يقينا هو عبد الله ابن مسعود ولعل المصنف

رحمه الله إنما ذكر على خلاف عادته تابعي هذا الحديث فأنتم ترون دائما أنه يبدأ باسم

الصحابي لا يذكر التابعي بين ما هنا قال عن علقمة ابن عبد الله ذلك ليلفت النظر لهذا اّلذي

ذكرناه وهو أن عبد الله هذا هو عبد الله ابن مسعود لأن علقمة إنما يروي عنه علقمة يروي عن

عبد الله أنه قال الصبر نصف الإيمان واليقين الإيمان كله قلنا أن الصحيح كما قال المصنف أن

هذا حديث موقوف ويعني بكلام ابن مسعود ورفعه بعضهم لكن من رفعه هو ضعيف في نفسه

ثم هو واهم لأنه خالف الثقة الّذي أوقفه على عبد الله ابن مسعود لكن هذا الأثر عن عبد الله ابن

مسعود فيه ما يشعرنا بأنه اقتبس .....

مواضيع متعلقة