هل يعذر من خالف في العقيدة لمجرَّد اشتراكه في النية حتى وإن خالف المنهج الصحيح في أصول الاستدلال ؟ - صوتيات وتفريغات الإمام الألباني
هل يعذر من خالف في العقيدة لمجرَّد اشتراكه في النية حتى وإن خالف المنهج الصحيح في أصول الاستدلال ؟
A-
A=
A+
السائل : فضيلة الشيخ ، هل يعذر من خالف في العقيدة لمجرَّد اشتراكه في النية ؛ حتى وإن خالف المنهج الصحيح في أصول الاستدلال ... النصوص ؟

الشيخ : هذه المسألة كثيرًا ما تُثار في هذا الزمان ، وأنا أرى أنها تحتاج إلى شيء من التفصيل ، وقد يُطرح هذا السؤال بصيغة أخرى ؛ وهي هل يُعذر الجاهل بجهله ؟ ولا شك أن الجهل قد يكون جهلًا جزئيًّا أو يكون جهلًا كليًّا ، أنا أشرت آنفًا إلى أن بعض المخالفين قديمًا خالفوا في بعض العقائد ، وقلنا إن أهل السنة من أهل الجرح و ... قصده الوصول إلى معرفة حكم الله - عز وجل - فيما ذهبوا إليه فأخطؤوا ، فالخطأ في اعتقادي مغفور إذا كان صادرًا عن اجتهاد قد أفرغ صاحبه جهدَه ولم يقصِّر ، فلا فرق في الخطأ في الأصول أو في الفروع إذا لُوحظت هذه القاعدة : لو أن رجلًا استحلَّ حكمًا هو في الشرع حرام ؛ لا شك أنه إذا علم حُرمته ومع ذلك استحلَّه ؛ فإنه يكفر ، وهذا حكم شرعي وليس عقيدةً ، وكذلك العكس تمامًا ؛ لو أنه استحلَّ محرَّمًا باجتهاده ؛ فلا يُعتبر هذا كفرًا ، وإن كان يُعتبر خطأ وضلالة ؛ فمن حيث ... به لا يجوز حتمًا ، لكن من حيث أنه مؤاخذ عند الله - عز وجل - مؤاخذته للكافر الذي عرف الحقَّ وجَحَدَه فليس الأمر كذلك ، فالمناط في هذه المسألة من حيث المؤاخذة ليس هو كونه أخطأ في العقيدة أو في أصل من الأصول ، وإنما المناط في القضية : هل تبيَّن له الحق ثم جحده كما قال - تعالى - في حقِّ المشركين : (( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ )) ، وقال في حقِّ اليهود ومعرفتهم بصدق النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ومع ذلك كفروا به ، قال - تعالى - : (( يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ )) ؛ فإذًا المناط في المؤاخذة في الخطأ في العقيدة أو في الأحكام ليس هو التفريق بين هذه وهذه ، وإنما هو التفريق بين أن يكون المخطئ قَصَدَ الحقَّ بإخلاص وإفراغ الجهد للوصول فيه أو لم يقصد ؛ فعلى هذا يُحكم بأنه معاقبٌ عند الله - عز وجل - أو لا .

ويحضرني بهذه المناسبة حديثان اثنان : أحدهما يتعلَّق بما ذكر آنفًا في قوله - تعالى - في اليهود : (( يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ )) ما أخرجه الإمام البخاري في " صحيحه " أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - كان له غلام من اليهود يخدمه ، فمرض هذا اليهودي ، فعاده - عليه الصلاة والسلام - فوجده في حضرة الموت - وعليكم السلام - ، فقال له - عليه الصلاة والسلام - : ( قل : لا إله إلا الله ) ، وعند رأس الغلام والده ، فرفع بصرَه إليه كأنه يستشيره يسأله : ما رأيك في قول محمد - عليه السلام - ؟ فالخبيث أجاب بكلمة حقٍّ ، فقال لابنه : أطِعْ أبا القاسم ، فقال الغلام : لا إله إلا الله ومات ، فقال - عليه الصلاة والسلام - : ( الحمد لله الذي نجَّاه بي من النار ) .

الشاهد في هذا الحديث هو كالتفسير للآية الكريمة : (( يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ )) ، والد هذا الغلام لما رأى ابنه في حضرة الموت ويعرف حقيقةً أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - نبيٌّ صادق أراد أن يُنقذ ابنه من الخلود في العذاب فقال له : أطِعْ أبا القاسم ، أما هو نفسه فصَدَقَ فيه قوله - تعالى - : (( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ )) فعاش أبوه كافرًا ، وربما مات كذلك ، ولكنه نصح ابنه وقال له : أطِعْ أبا القاسم . هذا الكفر الذي هو الجحد هو الذي يُحاسَب عليه الإنسان عند الله - عز وجل - ويكون خالدًا مخلَّدًا في النار .

الحديث الثاني : حديث في اعتقادي مهم جدًا فيما يتعلق بالكفر ، وأنه ليس الخطأ في الكفر غير مغفور ؛ لأنه كفر ، وإنما المناط كما ذكرنا الجهل ، لقد روى البخاري في " صحيحه " من حديث أبي سعيد الخدري وغيره - أيضًا - قال : ( كان رجلٌ فيمن قبلكم لم يعمَلْ خيرًا قط ، فلما حضرته الوفاة جمع أولاده حوله وقال لهم : أيُّ أبٍ كنت لكم ؟ قالوا : خير أب ، قال : فإني مذنبٌ مع ربي ) - وهنا يبدأ الشاهد - قال : ( فإني مذنب مع ربي ، ولئن قَدِرَ الله عليَّ لَيعذِّبَنِّي عذابًا شديدًا ، فإذا متُّ فخذوني وحرِّقوني بالنار ، ثم ذروا نصفي في الريح ، ونصفي في البحر ) ، فلما مات نفَّذوا فيه هذه الوصيَّة العجيبة الغريبة ، فقال الله - عز وجل - لذرَّاته : ( كوني فلانًا فكانت بشرًا سويًا ، قال الله - عز وجل - : أي عبدي ، ما حملك على ما فعلت ؟ قال : يا رب ! خشيتك ، قال : فقد غفرت لك ) .

الشاهد : إن هذا الإنسان لا يشكُّ مسلم بأنه قد وقع في الكفر حينما شكَّ في قدرة الله - تبارك وتعالى - أن يُعيده كما كان وهو يستحقُّ العذاب ، فصوَّرت له غفلته أن يضيع على ربِّه بزعمه ، فأوصى بتلك الوصية الجائرة الغريبة ؛ حيث أَمَرَ أولاده بأن يحرقوه بالنار ، وأن يذروا نصفه في الريح الشِّديدة والنصف الثاني في البحر المائج ، فما كان ذلك بالذي يضيع على ربِّه كما قال في القرآن الكريم : (( وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ )) إلى آخر الآيات ، تعالى الله - عز وجل - والله أعلم بما كان في نفسه من الوازع والدافع الذي دَفَعَه على مثل هذه الوصية : ( ما حملك على ذلك ؟ قال : خشيتك ) ؛ أي : إنه مؤمن بالله - عز وجل - أولًا ، وبِعَدله ثانيًا ، وأنه يستحقُّ العقوبة ؛ لأنه لم يعمل خيرًا قط ، هذا الخوف من ربِّه هو الذي أعماه عن قدرته التي لا يُتصوَّر أن يعيش مسلم جاحدًا لها ، لكن الخوف أعماه فأوصى بهذه الوصية ، فلما علم الله - عز وجل - منه ذلك قال : ( قد غفرت لك ) .

فلذلك لا يجوز الفصل بين الخطأ في الفرع أو الخطأ في الأصل ؛ بين الخطأ في الأحكام أو الخطأ في العقائد ؛ فهو خطأٌ هنا وهناك ، وهو كفرٌ هنا وهناك ، أو خطأٌ هنا وهناك ، فالله - عز وجل - العليم بما في الصدور هو الذي سيحاسب كلَّ إنسان بما قام في نفسه حينما انحرف عن الصواب ؛ هل كان متعمِّدًا له أو كان غير متعمد ، هل كان قاصدًا لمعرفة الحقِّ أو غير قاصد ؟ هذا أمره يعود إلى الله - تبارك وتعالى - ، أما الأحكام الظاهرة فهذه شأن آخر ، فلا بدَّ من تنفيذ الأحكام الظاهرة إذا ظهر أن مسلمًا ما يقول كما تقول الشيعة ؛ بأن هذا المصحف ناقص والله - عز وجل - يقول : (( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ )) ، فهذا بلا شك يُؤتى به إلى الحاكم والقاضي الذي يحكم بالشرع فيُستتاب ، فإن تاب وإلا قتل ، فهذا حكم غير ما نتكلَّم فيه عند الله - عز وجل - : هل يدان بالخطأ بالعقيدة أم لا يدان ؟ فيه التفصيل الذي ذكرناه آنفًا .

والخطأ الفاحش الموجود بين أهل السنة وبين الشيعة فله جوانب عديدة وكثيرة جدًّا جدًّا ، فمحاولة الاتفاق بين السنة والشيعة وترك محاولة الاتفاق بين الفرق الإسلامية الأخرى التي هي أقرب بكثير إلى أهل السنة من الشيعة ؛ فهذا باعتقادي سوف تكون النتيجة كما كانت سابقًا بين الأزهر وبين الشيعة ؛ أن يظلَّ الشيعة على خطئهم وعلى ضلالهم ، وربما بإعلان التقارب بين السنة والشيعة يتأثَّر بعض السنة بالشيعة ؛ لأن عندهم نشاطًا في التأليف والدعاية مع الأسف الشديد أكثر من أهل السنة في بعض البلاد ، ونحن في سوريا نعلم أن كثيرًا من القرى التي تكون شرق سوريا قد أصبحت من الشيعة بسبب نشاطهم وتوزيعهم لرسائلهم دون أن يُقابَلُوا من الطرف السني للرَّدِّ عليهم في رسائلهم ؛ حتى إن أحد المشايخ الحلبيين ألَّفَ كتابًا : " لماذا أنا شيعيٌّ ؟ " ، وذكر هناك المناظرة التي كان نَشَرَها المسمَّى عندهم بعبد الحسين ، هذا من علماء الشيعة في لبنان ، كان قد ألف كتابًا سمَّاه بـ " المراجعات " ، وفي هذه المراجعات أظنه غير صادق ؛ لأن الشيعة كما يصفهم ابن تيمية - رحمه الله - هم أكذب الفرق الاسلامية ، يُوهم القارئ بأنه جرت مناقشة بينه وبين شيخ الأزهر في زمانه .

السائل : سليم البشري .

الشيخ : نعم .

السائل : سليم البشري .

الشيخ : أيوا ، سليم البشري ، جرت بينه وبينه مناقشات فطبعًا يسأل ويجيب ، ويجعل الشيخ البشري هذا كأنه طالب علم ليس عنده علم ، ويصور الظَّفر لهذا الشيعي ، تأثَّر بهذا الكتاب ذلك الشيخ الحلبي وأعلن أنه شيعي !

فالشاهد أن من الصعب بمكان تحقيق تقارب مع الشيعة ، فأنا أرى من الصواب إن كان هناك جهد يُبذَلُ في سبيل التقريب بين المسلمين فيجب أن نحاول التقارب مع الأقربين إلينا ، والأقربون كما يُقال أولى بالمعروف ، وليس هذه بطبيعة الحال آية في القرآن الكريم ، هذا ما تيسر لي من الجواب .
  • رحلة النور - شريط : 26
  • توقيت الفهرسة : 00:00:02
  • نسخة مدققة إملائيًّا

مواضيع متعلقة