شرح حديث أبي هريرة رقم ( 294 ) : سُئِلَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما أكثر ما يدخل الجنة ؟ قال : " تقوى الله ، وحسن الخلق " . - صوتيات وتفريغات الإمام الألباني
شرح حديث أبي هريرة رقم ( 294 ) : سُئِلَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما أكثر ما يدخل الجنة ؟ قال : " تقوى الله ، وحسن الخلق " .
A-
A=
A+
الشيخ : ... ولذلك كان من حسن التَّبويب والتَّرتيب أن المصنِّف - رحمه الله - أتبع الحديث السابق بحديث لاحق فيه التنصيص على حسن الخلق ، وأنه من الأسباب القويَّة التي تُدخل صاحبه الجنة ، فقال المصنف بإسناده : عن أبي هريرة : سُئل رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ما أكثر ما يُدخل الجنة ؟ قال : ( تقوى الله وحسن الخلق ) ، هذا حديث جاء بعد ذلك الحديث ؛ لأن هناك رابطة قويَّة بينهما ، الحديث السابق بيَّن فيه الرسول - عليه الصلاة والسلام - بوضوح أن تخلَّق الرجل المسلم الغني المثري بالخلق الحسن الذي منه التجاوز عن زبائنه المقصِّرين معه أنَّ الله يتجاوز عنه ؛ جاء هذا الحديث ليؤكِّد ما جاء في الحديث السابق حينما سُئل الرسول - عليه السلام - عن أكثر ما يدخل الجنة ؟ قال : ( تقوى الله وحسن الخلق ) .

في هذا الحديث التصريح لذلك المضمون الذي أشرت إليه في تعليقي على الحديث السابق ، قلنا أنُّو في الحديث السابق قال رجل ، فقلنا : لا بدَّ من تقدير أن هذا الرجل كان مسلمًا ؛ أي : كان متَّقيًا لله - عز وجل - بعيدًا عن الإشراك به ، فصرَّح هذا الحديث بما قُلناه آنفًا في الحديث السابق حيث قال في الإجابة عن سؤال أكثر ما يدخل الجنة ؟ ذكر شيئين :

الشيء الأول - وهو الأهم - : قال - عليه السلام - : ( تقوى الله ) ، وتقوى الله تُفسَّر بمعنيين ؛ أحدهما أخصُّ من الآخر ، ومعنى أخصُّ من الآخر بمعنى أقل معنًى ، والآخر أكثر وأشمل معنًى ، تقوى الله في المعنى الأقلِّ هو بعد الإيمان به - تبارك وتعالى - كما جاء في الكتاب والسنة العمل بكلِّ ما أمر ، والانتهاء عن كلِّ ما عنه نهى وزجر ، هذا هو التقوى بأقل معنى ، لكن تأتي أحيانًا بمعنى واسع جدًّا ؛ بحيث أنَّ التقوى تشمل التحقيق والتطبيق لكلِّ ما جاء في الشرع سواءٌ كان من الواجبات أو من المستحبَّات ، فهو يأتي هذه الأشياء ، أو كان من المحرَّمات أو المكروهات ؛ فهو يبتعد عن هذا الأشياء ، هذا المعنى الأعم الأشمل .

النوع الأول من التقوى فرض على كلِّ مُكلَّف ؛ لأن معناها الإتيان بما فرضَ الله والابتعاد عما حرَّم الله ؛ كما جاء في الحديث الصحيح أنَّ رجلًا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، أرأيت إن أنا صلَّيت الصلوات الخمس ، وصمت رمضان ، وحلَّلت الحلال ، وحرَّمت الحرام ؛ أَأَدخُلُ الجنة ؟ قال : ( نعم ) ، إن أنت صليت الصلوات الخمس ، وصمت رمضان ، وحلَّلت الحلال ، وحرَّمت الحرام ؛ دخلت الجنة ؛ أي : كلُّ من اقتصر على القيام بما فرضَ الله والابتعاد عما حرَّم الله فحلَّل ما حلَّل الله وحرَّم ما حرم الله ؛ فهو في الجنة ، على حدِّ ذلك الأعرابي الذي جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ومن المحتمل أن يكون هو هذا السائل السابق ، ذاك الأعرابي جاء إلى الرسول - عليه السلام - يسأله عمَّا فرض الله عليه ، فقال : ( خمس صلوات في كلِّ يوم وليلة ) . قال : هل عليَّ غيرهنَّ ؟ قال : لا ، إلَّا أن تطَّوَّع ) ، سأله عن الصيام ؟ قال : ( تصوم شهر رمضان ) . قال : هل عليَّ غيرها ؟ قال : ( لا ، إلا أن تطَّوَّع ) ، وهكذا يسأله عمَّا فرض الله ، فيبيِّن له ، ثم يتبعه بسؤال : هل عليَّ غير ذلك ؟ ( إلا أن تطَّوَّع ) ؛ يعني تتنفَّل بما لم يُفرَضْ عليك ، لما انتهى من ذلك قال : والله يا رسول الله ، لا أزيد عليهنَّ ولا أنقص . قال - عليه السلام - : ( أفلح الرجل إن صدق ، دخل الجنة إن صدق ) ، أي : هذا الذي تعاهد للرسول - عليه السلام - أنه يأتي بهذه الفرائض لا يزيد عليها لا يتنفَّل ولا يتطوَّع ، في الوقت نفسه لا ينقص منها ، لأنُّ, إن نقص منها معناها عصى ربه ، فقال له - عليه السلام - أو قال في حقِّه لمن حوله : ( أفلح - أو صدق - الرجل إن صدق ، دخل الجنة إن صدق ) .

هذه التقوى هي في أضيق معانيها التي لا تقوى بعدها ، وهي تُدخل صاحبها الجنة ، لكن هناك تقوى أعمُّ من ذلك ؛ بحيث تشمل من حيث النواحي الإيجابية أن يأتِيَ بما شرع الله من المستحبَّات والنوافل ، وتشمل الابتعاد عمَّا كَرِهَ الله من الأمور المكروهات ؛ ولو أنها لم تكن من المحرَّمات ، هذه تقوى أوسع وأشمل من ذلك ، فبأيِّ التقويَين نفسِّر جواب الرسول - عليه السلام - ذاك الرجل السائل عن أكثر شيء يدخل صاحبه الجنة ؟ قال : ( تقوى الله وحسن الخلق ) ؟

الظاهر أن المقصود بهذه التقوى هو النوع الأول ؛ لأنه إن فسَّرناه بالنوع الثاني الذي يشمل كلَّ خير حتى لو كان مستحبًّا دخل في ذلك حسن الخلق بطبيعة الحال ، فلما قال : ( تقوى الله وحسن الخلق ) أراد تقوى الله بمعناها الأخصر والأضيق ؛ أي : الإتيان بما فرض الله والابتعاد عما حرَّم الله ، هذا أكثر ما يدخل الجنة زائد حسن الخلق .

وحسن الخلق هنا المعنى الواسع ، ليس المقصود بحسن الخلق هنا فقط معاملة الإنسان بما يجب ؛ يعني إنسان - مثلًا - ترك عندك أمانة فأدَّيت هذه الأمانة ؛ لا شك أن هذا من حسن خلق ، لكن هذا حسن الخلق فرض إذا قصَّر به الإنسان حُوسب يوم الحساب وعُذِّب على ذلك ؛ لأنه خالف قول الله - عز وجل - : "" أدُّوا "" (( الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا )) ، خالفَ أمرًا نبويًّا ، لكن المقصود بحسن الخلق هنا ما هو أكثر من حسن الخلق الواجب على الإنسان ؛ أن يعامل الناس بلطفٍ ، أن يعفوَ عمَّن ظلمه ، وأن يتجاوز - كما سمعتم في الحديث السابق - عمَّن قصَّر في وفاء الدَّين له ، إلى آخر ما هنالك من خصال الأخلاق الحسنة التي لا يُمكن لإنسان أن يأتِيَ بها كلها ؛ لأن ذلك مما خصَّ الله به بشرًا في البشر جميعًا ؛ ألا وهو الرسول - عليه الصلاة والسلام - الذي وصفه الله - عز وجل - في القرآن بقوله : (( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ )) .

ولكن على الإنسان أن يتطبَّع وأن يتخلَّق بالأخلاق الحسنة ما استطاع إلى ذلك سبيلًا ، إذا كان يحسُّ - مثلًا - في نفسه بأنه طُبِعَ على شحٍّ وعلى بخلٍ فيتكلَّف أن يتكرَّم وأن يتساقى وأن يجود كلٌّ بحسبه ، وإذا كان مطبوعًا على شيء من الشِّدَّة والغلظة فيحاول أن يلين وأن يتواضع مع الناس ؛ وهكذا ، من أجل ذلك جاء في الحديث الصحيح قوله - عليه الصلاة والسلام - : ( إنَّ الرجل لَيُدرِكُ بحسن خلقه درجة قائم الليل صائم النهار ) ، والسبب في هذا أنَّ الذي يُحسِّن خلقه يحسِّنه وهو يجاهد نفسه ؛ لذلك قال - عليه الصلاة والسلام - : ( إنما العلم بالتعلُّم ، والحلم بالتحلُّم ) .

وتأكيدًا لهذا المعنى الذي نُدندن حوله ؛ وهو أنَّ المسلم يجب أن يمرِّن نفسه وأن يدرِّبَها على حسن الخلق قال - عليه السلام - تأكيدًا لهذا المعنى بطريق السؤال والجواب لأصحابه يومًا : ( أتدرون من الصُّرعة ؟ ) . قالوا : الصُّرعة هو الذي يُصارع الناس فيصرعهم ، يغالبهم يصرعهم يغلبهم . قال : ( لا ، ليس الشَّديد بالصرعة ، وإنما الشَّديد من يملك نفسَه عند الغضب ) . الذي يحاول أن يملِكَ نفسه عند الغضب يتكلَّف ذلك ولو بمشقَّة ، هذا الذي معناه أنه يحسِّن خلقه ، وهذا الذي يطبِّق أمر النبي - عليه السلام - لما قال لمعاذ : ( اتَّق الله حيثما كنت ، وخالِقِ الناس بخلق حسن ) فقال لهم : مين البطل ؟ ... اللي بيغالب الناس ويغلبهم ، قال لهم : لا ، البطل هو الذي يملك نفسه عند الغضب .

ومن هنا أخذ ابن الوردي قولَه في قصيدته المشهورة :

" ليسَ منْ يقطعُ طُرقًا بَطلًا * * * إنَّما منْ يتَّقي الله البَطَلْ "

على هذا الأسلوب من تنبيه الناس إلى ضرورة تحسين الخلق وتمرين النَّفس على الصبر ، قال - عليه السلام - يومًا للنِّساء خاصَّة : ( أَتدرون من الرَّقوب ؟ ) قالوا أو قلْنَ : الرَّقوب فينا هي التي لا تلد . فأجابهنَّ بأن الرقوب هي التي تلد ويرثها ابنها ، وذلك لأنها إذا ولدت ومات ولدُها ، وصبرت على موته ؛ كان لها أجر كبير عند الله - عز وجل - ؛ بعكس المرأة العقيم التي تعيش ولا ولد لها ، فهي لا تجد الغضاضة ولا تجد الحساسيَّة الخاصَّة في نفسها كما لو رُزقت ولدًا وربَّته تلك التربية ، ثم الله - عز وجل - قَبَضَه إليه ، وهنا يظهر أهمية الصبر والرضا بالقضاء والقدر .

الخلاصة : أن هذا الحديث يبيِّن لنا أن أكثر الأسباب التي تُدخل صاحبها الجنة هي أوَّلًا التقوى الواجبة ، ثم حسن الخلق بأوسع معناه .

مواضيع متعلقة