إلى متى يجلس العلماء ويقولون : هذا حديث صحيح ، وهذا لا يصح ، وهذه سنة ، وهذه بدعة ؛ فالمنهج السلفي طريقه طويل ، وأعداء الله لنا بالمرصاد ؛ فأَلَا يمكن اختصار هذه الطريق ؟ - صوتيات وتفريغات الإمام الألباني
إلى متى يجلس العلماء ويقولون : هذا حديث صحيح ، وهذا لا يصح ، وهذه سنة ، وهذه بدعة ؛ فالمنهج السلفي طريقه طويل ، وأعداء الله لنا بالمرصاد ؛ فأَلَا يمكن اختصار هذه الطريق ؟
A-
A=
A+
السائل : سؤال يقول : إلى متى يا فضيلة الشيخ يجلس العلماء ويقولون : هذا حديث صحيح ، وهذا لا يصح ، وهذه سنة ، وهذه بدعة ؛ بمعنى أن المنهج السلفي طريقه طويلة ، وأعداء الله لنا بالمرصاد ؛ فأَلَا يمكن اختصار هذه الطريق ؟

الشيخ : هذا السؤال باللغة السورية يسلِّم على السؤال الأول ، وجوابي على هذا حديث نبوي صحيح ، كان رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - جالسًا مع أصحابه حين خطَّ على الأرض خطًّا مستقيمًا ، وخطَّ خطوطًا على جانبي الخطِّ المستقيم خطوطًا قصيرة ، ثم تلا قول ربنا - تبارك وتعالى - : (( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ )) .

هذا السائل والذي قبله وما أكثرهم في هذا العصر !! والسبب أنهم تركوا منهج السلف الصالح ، وأخذوا يتمسَّكون بإسلام لا مفهوم له في أذهاننا أبدًا ، إنما إسلام لا إله إلا الله ، أمَّا إيش معنى لا إله إلا الله ؟ فلا يعرفون كبارهم لا يعرفون حقيقة معنى لا إله إلا الله ؛ فضلًا عن صغارهم مع الأسف الشديد . ثم مرَّ النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - بإصبَعِه على هذا الخطِّ المستقيم ، وقرأ الآية الكريمة : (( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )) ، ثم قال : ( هذه طرق ) ، الطرق القصيرة على جانبي الطريق المستقيم الطويل ، وأنا أقول : الطويل من عندي بيانًا للرسم النَّبويِّ لِمَا سأذكره قريبًا ، قال - عليه السلام - : ( وهذه الطرق - أي : قصيرة - وعلى رأس كلِّ طريق منها شيطان يدعو إليه ) .

أنا أستطيع أن أقول غيرَ مبالغ : إنَّ مثل هذه الدعايات اليوم : أَلَم نكتَفِ أن نقول : حديث صحيح وضعيف ، وسنة وبدعة ، وفرقة و و إلى آخره ؛ هذه هي الطرق القصيرة هي بذاتها ، لو جاز لي أن أقول : إن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - كان فنَّانًا - أي : مصوِّرًا بارعًا - لَقُلْتُ ذلك ، ولكن هو أرفع من أن نشبِّهه بالفنانين أو المصوِّرين ؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام - لمَّا رَسَمَ على الأرض خطًّا طويلًا ، وقرأ الآية الكريمة : (( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ )) ؛ أي : الطرق القصيرة ، لقد رسم الخطَّ الذي ينبغي أن يمشي عليه المسلم ؛ ألا وهو الخطُّ المستقيم الطويل ، وخطَّ حوله خطوطًا قصيرة التي يجب على المسلم ألَّا يسلكها وألَّا يطرقها ، هذا ما نسمَعُه اليوم كما سمعتم آنفًا في هذا السؤال : إلى متى ونحن نمشي ؟ حسبنا أن نكون ماشين وسالكين على الطريق المستقيم ، أمَّا متى نصل ؟ فالأمر بيد الله - تبارك وتعالى - ؛ لذلك هم يستطيلون هذا الخطَّ المستطيل الطويل ؛ يجدونه طويلًا ، وهل ربُّنا - عز وجل - كلَّفَنا بأكثر من شيئَين اثنين ؟ أوَّلًا : أن نعلم : (( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ )) ، وثانيًا : أن نعمل : (( كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ )) ، فإذا سار المسلم في طريق العلم كما قال - عليه الصلاة والسلام - : ( مَن سلك طريقًا يلتمسُ فيه علمًا سهَّل الله به طريقًا إلى الجنة ) ، مهما طال هذا الطريق فلَسْنا مكلَّفين أن نأخذ يمينًا ويسارًا ونسلك الطرق القصيرة بزعم أن هذه الطرق القصيرة هي التي ستؤدِّي بهم إلى تحقيق الإسلام ، ساء ما يظنُّون ، ساء ما يقولون ، إنَّ الإسلام كما قال - عليه الصلاة والسلام - : ( حُفَّت الجنة بالمكاره ، وحُفَّت النار بالشهوات ) ، فاستطالة بعض الناس اليوم هذه الدعوة التي ندعو إلى الكتاب والسنة ونحذِّر من البدعة ، ماذا يعنون ؟ أن تعبدوا الله كيفما شئت أو كيفما جهلت أم يجب أن تعمل كما قال - تعالى - : (( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ )) ثم أن تعمل بما علَّمك الله ؟ الحقيقة أنَّ مثل هذا الأسئلة وحدَها نذير شرٍّ لهؤلاء الذين بعد لم يفقَهُوا أن واجبهم التعلُّم للإسلام والعمل بالإسلام مهما طال الطريق ، ويُعجبني بهذه المناسبة كما ذكرت في بعض الجلسات السابقة قولَ أحد الشعراء الجاهليين أحد شعراء الجاهلية ؛ قال كلمة ينبغي أن يأخذ منها المسلمون اليوم عبرة ؛ حيث قال :

" بكى صاحبي لما رأى الدَّرب دونه *** وأيقن بأنَّا لاحقين بقيصرا

فقلت له : لا تبكِ عينك إنما *** نحاول ملكًا أو نموت فنُعذرا "

هذا الرجل الجاهلي يواسي أخاه ويقول : لا تبك عينك ، إنما نحاول ملكًا أو نموت فنعذرا .

نحن نحاول أن نمشي على الطريق الذي أمرنا الله - عز وجل - ، ثم استطعنا أن نحقِّق الدولة الإسلامية فَبِهَا ونعمت ، وذلك فضل من الله ، وهو القائل : (( إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ )) ، وإن لم نستطِعْ أن نصل إلى ذلك ؛ فحسبنا أننا قد أعذرنا وقدَّمنا ما عندنا من استطاعة ، و (( لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا )) ؛ فإذًا نحن علينا أن نمشي على الطريق .

ومن عجبٍ أن هذه الآية التي يعلمها كلُّ الناس عامَّتهم كخاصَّتهم : (( إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ )) ، هذه الآية وحدَها لو وقفوا عندها لَمَا تورَّطوا بتوجيه مثل هذه الأسئلة ؛ إيش معنى (( إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ )) ؟ يعني تجهِّزوا جيش تدافعوا به عن ربِّ العالمين ؟ طبعًا لا أحد يقول بهذا الجهل ، وإنما (( إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ )) ؛ أي إن أخذتم بشريعة الله وطبَّقتموها نصركم الله - عز وجل - على أعدائكم .

نحن الآن نسمع أصواتًا عالية وفيها الحماس الذي يُعميهم عن الأصل ؛ وهو الدعوة للجهاد ، ولا أحد من المسلمين يُنكر فرضية الجهاد ، وبخاصَّة الجهاد في أفغانستان ، ولكن مَنِ الذين خُوطبوا بقوله - تعالى - : (( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ )) ، أعدُّوا لهم أنتم أيها المسلمون المختلفون في أسمى عقيدة وهي الله - تبارك وتعالى - ، لا تزالون تختلفون وبين أيديكم كتاب الله وسنة رسول الله ومنهج السلف الصالح !!

هؤلاء لن يستطيعوا أن يجاهدوا ، أنا أقولها بصراحة : ما زال المسلمون مختلفين هكذا حتى لا يعبؤون أن ينصروا الله بالعلم النافع والعمل الصالح ، فسوف لا ينصرهم الله ؛ لأن الله - عز وجل - لا يُخلِفُ وعدَه : (( إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ )) ، والحديث في هذا المجال كبير وكثير وكثير جدًّا ، حديث واحد الآن أذكره لكم ، كيف ينتصر المسلمون وهم قد صدق فيهم ما جاء في هذا الحديث من النَّبأ ؟ ( إذا تبايعتم بالعينة ، وأخذتم أذناب البقر ، ورضيتم بالزَّرع ، وتركتم الجهاد في سبيل الله ؛ سلَّط الله عليكم ذُلًّا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم ) ، هذا السائل والذي قبله لا يُريدنا أن نرجِعَ إلى الدين الذي هو العلاج ، لقد وصف النبيُّ - صلى الله عليه وآله وسلم - في هذا الحديث الصحيح مرضَ المسلمين في بعض نواحيه ، وقدَّم العلاج النَّاصع القاطع لهذا المرض الوبيل ، أما المرض فقد ذكر بعضَ أنواعِه الخطيرة فقال - عليه الصلاة والسلام - : ( إذا تبايعتم بالعينة ، و أخذتم أذناب البقر ، ورضيتم بالزرع ، وتركتم الجهاد في سبيل الله ؛ سلَّط الله عليكم ذُلًّا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم ) .

كل فقرة من هذه الفقرات الأربع أو كلُّ علَّة من هذه العلل الأربع تحتاج إلى وقفة ووقفة طويلة ، لكن حسبي الآن العلة الأولى ؛ وهي : ( إذا تبايعتم بالعينة ) . العينة اليوم قد عمَّت وطمَّت البلاد الإسلامية ؛ ومع ذلك يريدون الجهاد !! تعرفون ما هي العينة ؟

العينة مشتقَّة من عين الشيء ؛ ذات الشيء ؛ وهو أن يُباع الشيء وهو في أرضه بثمنَين اثنين ؛ ثمن الأقل وثمن الأكثر ، الثمن الأكثر والثمن الأقل ، وهو أن يأتِيَ الرجل إلى تاجر سيَّارات مثلًا يريد أن يحظى بخمسين ألف ريال ، وبسبب التفكُّك الموجود اليوم بين أفراد المسلمين الذين تُرفع أصوات بعض الناس الدعاة المتحمِّسين يأمُرُونهم بالجهاد في سبيل الله ، وهم متفتِّتون متفرِّقون أشد التفرُّق ، يريد أحدهم أن يستقرِضَ خمسين ألف ريال فلا يجد مَن يقرِضُه قرضًا حسنًا لله - عز وجل - ؛ فماذا يفعل ؟ يحتال ، ومع مَن يحتال ؟ مع المحتال ؛ يأتي إلى التاجر الكبير ، فيقول : أنا أبغى أشتري هذه السيارة ؛ كم ثمنها بالتقسيط ؟ يقول : خمسين ألف ، يقول : أنا اشتريت ، لكن أنا أبغى أبيعك إيَّاها نقدًا ؛ بكم ؟ فيشتريها منه بأربعين بخمسة وثلاثين ، مش مهم الموضوع ، فيأخذ الأربعين ألف مقابل ماذا ؟ مقابل خمسين ألف ؛ وهذا هو بيع العينة !

ثم يحتال بعض الناس فيُدخلون وسيطًا في الموضوع ؛ يأتي إلى تاجر كبير ليس عنده السيارة التي يُريدها ، عنده أموال كثيرة ، يطلب منه خمسين ألف ريال قرض لله ، يقول : روح اشتري السيارة هذه ، وأنا أدفعها لك ثمنًا ، فيروح يشتري السيارة بخمسين ألف ريال ، تُسجَّل عليه خمسين ألف ، والتاجر الغني يدفع أربعين ألف لتاجر السيارات ، فيسجِّل عليه خمسين ألف !! كل هذا احتيال على أكل ما حرَّم الله من الربا .

ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث علَّة من العلل التي أُصِيبَ بها المسلمون اليوم ، أما بقيَّة العلل فهي واضحة لديكم ، لكن العينة هذه لا يزال كثير من العلماء يُفتون بجوازها ، والرسول يقول : ( إذا تبايعتم بالعينة ، و أخذتم أذناب البقر ، ورضيتم بالزرع ، وتركتم الجهاد في سبيل الله ) ، هذه العلل الثلاثة الأخرى واضحة لديكم ، فإذا ضُمَّت إليها العلة الأخرى ماذا تكون العاقبة لهؤلاء الناس الذين يُعرِضُون عن تطبيق الأحكام الشرعية ، منها عدم التَّكالب على الدنيا ، وعدم استحلال ما حرَّم الله بأدنى الحيل ، ومنها ترك الجهاد في سبيل الله ، العقوبة في الدنيا قبل الآخرة : ( سلَّط الله عليكم ذُلًّا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم ) ، الدواء العلاج الرجوع إلى الدين .

يجب أن نقف قليلًا عند هذا العلاج النبوي ؛ ألا وهو الرجوع إلى الدين ، نقول لهؤلاء السائلين - هدانا الله وإيَّاهم - : أيَّ دين أَمَرَنا رسول الله أن نرجِعَ إليه ؟ لا شك هو ما قاله - تبارك وتعالى - في القرآن الكريم : (( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلَامُ )) ، ولكن يأتي هنا سؤال : الإسلام اليوم له مفاهيم ، وقد عرف هؤلاء السَّائلون هذا الاختلاف الموجود اليوم ، ولكنهم ضاقوا ذَرْعًا بسبب جهلهم وقلَّة صبرهم ، ضاقوا ذرعًا بهذا الاختلاف ؛ ألا يمكن تأجيل الخلاف وأن نُقابل أعداء الله ؟ لا يمكن ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد قال : إذا فعلتم كذا وكذا وكذا سلَّط الله عليكم الذُّلَّ حتى ترجعوا إلى دينكم ، فالآن الرجوع إلى الدين وهو الإسلام هو العلاج ، بأيِّ مفهوم الآن نرجع ؟ أَبِمَفهوم السلف أم الخَلَف ؟ هذه الخطَّة لا بد من الدخول فيها ، أَبمَفهوم المعتزلة أم الماتريدية أم الأشاعرة أم الشيعة أم الرافضة ؟ هذه حقائق موجودة لا نستطيع أن نقول كما يُقال عن النعامة أنَّها من بَلَاهَتِها وغفلتها أنها إذا رأت الصَّائد أدخلت رأسها في الرمال ؛ فإنها تزعم أنها ما دامت هي لا ترى الصياد فالصياد لا يراها !! هذا مَثَل الله أعلم بحقيقة هذا الحيوان ، لكن المهم مثل ، فلا يصح لنا أن نتغافل عن هذا الواقع المؤلم ؛ فماذا يفعل هذا المريض مريض إذا تبايعتم بالعينة إلى آخر الحديث ، هذا معناه أن الأمة المسلمة المريضة ؛ فما هو العلاج ؟ الرجوع إلى الدين ، بأيِّ مفهوم ؟ لذلك نحن ندندن ونحيا على هذه الدعوة ، ونموت عليها لا نرضى بها بديلًا أبدًا ؛ كتاب الله وسنَّة نبيِّه وعلى منهج السلف الصالح .

أخيرًا أقول : قال - عليه الصلاة والسلام - : ( تركت فيكم أمرين لن تضلُّوا ما إن تمسَّكتم بهما : كتاب الله وسُنَّتي ، ولن يتفرَّقا حتى يَرِدَا عليَّ الحوض ) . لعل في هذه ذكرى لهؤلاء السائلين ، هدانا الله وإياهم سواء السبيل .

تفضل .

مواضيع متعلقة