ذكر الأمثلة على السنة المستحسنة شرعًا لا اجتهادًا ولا استحسانًا عقليًّا . - صوتيات وتفريغات الإمام الألباني
ذكر الأمثلة على السنة المستحسنة شرعًا لا اجتهادًا ولا استحسانًا عقليًّا .
A-
A=
A+
الشيخ : أضرب لكم بعض الأمثلة الموضِّحة لهذه الحقيقة الهامة فأقول - مثلًا - : لعلنا جميعًا نعلم أن الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - لما فتح خيبر صالَحَ اليهود على شروط ، ومن تلك الشروط أن سلَّمَ لهم خيبر يعملون فيها على طريقة المزارعة ، ولهم نصف الخارج منها ، وللرسول - عليه السلام - وأصحابه النصف الآخر ، وكان ممَّا شرط عليهم أن قال لهم - عليه الصلاة والسلام - : ( إنَّنا نقرُّكم فيها ما نشاء ) ؛ يعني تعلمون أن خيبر فُتحت عنوةً بالسيف وأن ... .

وأصحابها وسكَّانها صاروا عبيدًا للرسول - عليه الصلاة والسلام - ؛ أي : أسرى ، لكن رأى الرسول - عليه السلام - من مصلحة المسلمين يومئذٍ أن تبقى خيبر تحت يد اليهود يزرعونها ويستصلحونها للمسلمين لهم النصف ولليهود النصف الآخر ، لكن قال لهم : ( نقرُّكم فيها ما نشاء ) ؛ يعني المدة التي نراها ، ثم توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واليهود لا يزالون في خيبر ، وجاء من بعد ذلك أبو بكر وتوفي وهم كذلك ، ثم جاء عمر وهم كذلك ، إلى أن بَدَا لعمر أن يُخرِجَهم من خيبر ، فأنذرهم وأمرهم أن يحملوا ما استطاعوا من المتاع الخفيف الحمل ؛ لأنهم كانوا قد شُرطوا على أن يُقرُّوا ما شاؤوا ، وقد بدا للخليفة خليفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يُخرِجَهم من خيبر .

هذا هو المثال الذي يبيِّن لكم السنة الحسنة في المعنى الأول الصحيح والبدعة الحسنة في تفسير الجماعة إذا ما رأوا لفظة حسنة ، فنقول : لا شك أن عمر فَعَلَ شيئًا لم يفعَلْه الرسول - عليه الصلاة والسلام - ؛ فإنه أخرَجَ اليهود من خيبر حيث أقرَّهم الرسول - عليه السلام - فيها ومات عنهم وهم فيها ، وكذلك أبو بكر من بعد الرسول - عليه السلام - ما أخرجهم منها ، فإخراج عمر لليهود هو أمر جديد لا شك ولا ريب في ذلك ؛ فما حكم هذا الأمر ؟ أنسمِّيه بدعة ؟ نحن نقول : لا ، أما هم فيسمُّونها بدعة ، ويصفونها بأنها بدعة حسنة ، نقول : لا بأس ما دام أن الدليل قام على شرعيَّة فعل عمر فهو ليس - في اصطلاحنا - ليس بدعة ، وإنما هو في اصطلاحكم بدعة ، في اصطلاحنا ليس بدعة ؛ لأن عمر نفَّذَ أمرًا من أوامر الرسول - عليه السلام - ؛ ذلك أوَّلًا في صريح قوله - عليه السلام - : ( أخرجوا اليهود من جزيرة العرب ) ، وثانيًا : لاحظ الشرط السابق : ( نقرُّكم فيها ما نشاء ) ، انتهت مشيئة المسلمين ، فأخرجوهم من خيبر ؛ فإذًا عمر لم يُحدِثْ أمرًا في الدين ، وإنما نفَّذَ أمرًا سابقًا من الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - ؛ ألا وهو قوله : ( أخرجوا اليهود من جزيرة العرب ) . نحن لا نسمح لأنفسنا أن نقول بأن عمر ابتدع في دين الله ما لم يكن منه ، أما الذين يقولون بالبدعة الحسنة والسيئة فهم ولو لفظًا يقولون ابتدع عمر ؛ ماذا ؟ أخرج اليهود من خيبر ، لكن هذه بدعة حسنة ، وربما لا يخطر في بالهم الجواب السابق أنه نفَّذ أمرًا صدر من الرسول - عليه السلام - ، لكن يأتون بالدليل العام : ( عليكم بسنَّتي وسنة الخلفاء الراشدين ) إلى آخر الحديث .

فنحن نقول حين ذاك : يبقى الخلاف بيننا وبينهم إذا لاحظوا هذا الوصف حسنة ، سنة حسنة ، وأن الحسنة ليست هي التي يستحسِنُها الناس في عقولهم ، وإنما هي التي قام الدليل الشرعي على حُسنِها ؛ حينئذٍ يبقى الخلاف بيننا وبينهم خلافًا لفظيًّا ، هذه حقيقة يجب أن نعلمها ويجب أن نتَّخذها سبيلًا لِاستجلاب المخالفين إلى هذه الحقيقة الشرعية ؛ لأننا لا يهمُّنا الألفاظ بقدر ما تهمُّنا المعاني التي صُبَّت وسُبكت في هذه الألفاظ . فإذا اتَّفقوا معنا أن هناك بدعة حسنة في الإسلام ، وأن الحسنة هي التي تُعرف بطريق الإسلام فليسمُّوها ما شاؤوا ، لكن نحن نربَأُ بأنفسنا أن نسمِّيَ تنفيذ عمر لأمرٍ نبويٍّ كريم أنه بدعة ، هذا مثال .

مثال آخر ، وهذا الذي يستشهد به جماهير هؤلاء الناس الذين يذهبون إلى أن في الإسلام بدعة حسنة ؛ يقولون : جَمْعُ الصحابة للقرآن ، نحن موقفنا تجاه هذا الأمر كموقفنا تمامًا تجاه إخراج عمر لليهود من خيبر ، نقول مستنكرين أشدَّ الاستنكار جمع القرآن بدعة ؟ عياذًا بالله من هذا الكلام ؛ لأنُّو مهما يكن وصف هذا الأمر الواجب الذي قامت إشارات في القرآن الكريم وفي السنة بضرورة المحافظة على القرآن بمثل قوله - تعالى - : (( الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ )) ، فهنا إشارة إلى أن هناك كتابًا ؛ أي : سيكون هذا كتابًا ، وكقوله - عليه الصلاة والسلام - : ( بلِّغوا عنِّي ولو آية ) ، فأيُّ وسيلة تحقِّق هذه الغاية التي أمَرَ بها ربُّنا - عز وجل - في القرآن ونبيُّه - عليه الصلاة والسلام - في السنة فهي وسيلة واجبةٌ اتخاذها ؛ ولذلك يقول العلماء والفقهاء : كلُّ ما لا يقوم الواجب إلا به فهو واجب .

فجَمْعُ القرآن لا سيَّما حينما تعرَّضَ للضياع بضياع حملته هذا أمر من أوجب الواجبات ؛ لأنه لو لم يقوموا بذلك لَضاعَ الإسلام ، ولَأصبح دين الإسلام كاليهودية والنصرانية لا سنامَ لها ولا خطامَ ليس لهم مرجع ، لو أراد أحدهم أن يعرف كلمة قالها موسى أو قالها عيسى - عليهما الصلاة والسلام - لَكان ذلك أمرًا مستحيلًا ، فلولا أن الصحابة بادروا إلى جمع القرآن لَأصاب كتابَهم مثل ما أصاب الإنجيل والتوراة ؛ ولذلك قام في الواقع فعلوا مثل عمر فيما بعد قاموا بواجب تقتضيه أدلة الشريعة ؛ فهو ابتدع بدعة ؟! نحن نبرأ - كما قلنا - أن نسمِّي فعلهم هذا بأنه بدعة ، لكننا نقول : قام بواجب لم يكن هذا الواجب قد قام المقتضي لتحقيقه في زمن الرسول - عليه الصلاة والسلام - ؛ لذلك جاء في نفس الحديث بيانًا للسبب المقتضي لجمع القرآن ألا وهو قوله : لما استحرَّ القتل في قرَّاء اليمامة - أي : اشتدَّ فيهم - ، فقُتل في يوم واحد سبعون قارئًا ، جاء عمر يعرض على أبي بكر الصديق جمع القرآن واتفقا على ذلك ، ثم أتيا بزيد بن ثابت فعَرَضَا عليه ، فلم يزالا به حتى اقتنع ، وهنا حكمة بالغة ، ولكن لا تُغني النُّذر مع الأسف ؛ الحكمة البالغة أنُّو جمع القرآن الذي هو أسُّ القرآن لأنه لم يكن في عهد الرسول - عليه الصلاة والسلام - لما كلَّف زيد بن ثابت أن يقوم بجمع القرآن قال لهما : كيف تصنعان أو تفعلان شيئًا لم يفعَلْه رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ؟

انظروا الفرق بين الصحابة الذين فهموا خطر الابتداع في الدين كيف يخافون أنهم إن جمعوا القرآن يكونوا قد أحدثوا في الإسلام شيئًا نكرًا ؛ بينما تجد اليوم أجهل جاهل وأعلم عالم إذا قيل له : لا تفعل كذا ؛ بيقول لك : يا أخي ، شو فيها ؟ ما هو إلا ذكر الله والصلاة على الرسول - عليه السلام - . طيب ؛ جمع القرآن شو فيه ؟ فيه محافظة على الشريعة كلها ، فهم كانوا حذرين جدًّا جدًّا من الإحداث في الدين ، حتى ربما تركوا شيئًا وهو يغلب عليه أنه سنة مشروعة خشية أن يبتدعوا في الإسلام ما لم يكن من السنة .

فهذا - مثلًا - عبد الله بن عمر بن الخطاب يسمِّي صلاة الضحى بدعة ، فيضطرُّ العلماء تجاه النصوص الكثيرة الصريحة في مشروعية صلاة الضحى من فعله - عليه الصلاة والسلام - ومن قوله أن يقولوا : لعله يعني صلاة الضحى في المسجد ، صلاة الضحى في المسجد ؛ لأنُّو أخذت هذه الصلاة طابعًا لم يكن في عهد الرسول - عليه السلام - ؛ لأنُّو الأصل في النوافل أن تُصلى في البيوت كما قال - عليه الصلاة والسلام - : ( فصلوا أيها الناس في بيوتكم ؛ فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة ) . فانظروا الفرق بين السلف وبين الخلف ، السلف يتورَّعون عن جمع القرآن خشية الابتداع في الدين ، والخلف يبتدعون ما شاءت أنفسهم وأهواؤهم والجواب مهيَّأ ؛ شو فيها ؟ ذكر الله والصلاة على الرسول - عليه السلام - !!

فيها شيء خطير جدًّا ؛ وهو الافتئات على الله وتقدُّم بين يدي رسول الله الذي هو المبلِّغ عن الله ، فإذا قلت : هذه بدعة حسنة ولو ما فعلها الرسول ، ولو ما فعلها الصحابة ، ولو ما فعلها الأئمة الأربعة ؛ معناها أنت عم تشرِّع شيء من نفسك وتُعرض عن الحجج القاطعة بأنُّو هذا الشيء إحداث في الدين وضلالة ؛ لذلك فجَمْعُ الصحابة للقرآن ليس بدعة في الدين ، بل هو أمر واجب قام به عمر وأبو بكر الصديق ، وتَبِعَهم على ذلك كاتب وحي الرسول - عليه السلام - زيد بن ثابت ، وأجمع الصحابة على ذلك لِمَا رأوا أنه من ضروريات الدين .

مواضيع متعلقة