ما رأيكم فيمَن يقول : إن مَن قال : " كفر دون كفر " ، أو " شرك دون شرك " ، أو هناك شرك أصغر وشرك أكبر ؛ فقد ابتدع في دين الله ما لم ينزِّل به سلطانًا ؛ فهل لهذا القول نصيب من الصحة ؟ - صوتيات وتفريغات الإمام الألباني
ما رأيكم فيمَن يقول : إن مَن قال : " كفر دون كفر " ، أو " شرك دون شرك " ، أو هناك شرك أصغر وشرك أكبر ؛ فقد ابتدع في دين الله ما لم ينزِّل به سلطانًا ؛ فهل لهذا القول نصيب من الصحة ؟
A-
A=
A+
السائل : تكملة للسؤال هو قول بعض العلماء اليوم في كثير من المحاضرات والخطب أن مَن قال : كفر دون كفر ، أو شرك دون شرك ، أو هناك شرك أصغر وشرك أكبر ، شرك ينقل عن الملة ، وكفر لا ينقل عن الملة وهكذا ؛ فقد ابتدع في دين الله ما لم ينزِّل به سلطانًا ، وإنما الكفر واحد ، شرك أصغر شرك أكبر فهو اسمه شرك ، كفر أكبر كفر أصغر فكله كفر ؛ فهل هذا القول له نصيب من الصحة ونستطيع أن نقول أنه تكذيب لمذهب السلف الصالح في تفسير وتقسيم الكفر إلى كفرين ؟

الشيخ : لا شك هذا ردٌّ لمذهب السلف الصالح ، لكن في الواقع لنتبيَّن الشيء الذي يرمي إليه هؤلاء بالضبط ؛ يجب أن نسألهم حينما تريدون أن لا تفرِّقوا بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر ، أو بين شرك اعتقادي وشرك عملي ؛ هل تعنون أنُّو مجرَّد ما يقول الإنسان : " بشرفي " أنه ارتَدَّ عن دينه ؟ هذا ... ولذلك فأنا من ديدني أن أكون حريصًا مع أنَّني أبحث معهم أريد أن أفهم منه ما الذي يعني من وراء كلامه ؛ فهو إذا كان ينكر فقط هذا الاصطلاح اللفظي فيكون إنكاره شكلي وصوري لا قيمة له ، لكن يبقى لهذا الإنكار له قيمة كبرى وله خطورته العظمى فيما لو ألحَقَ مَن قال ، وما أكثر من يقول من المسلمين اليوم في أثناء كلامه خاصَّة في سوريا في فلسطين في مصر عندكم وإلى آخره ؛ يحلفون بشرفهم ، برأس أبوهم ، بجدِّهم بـ بـ إلى آخره ؛ فهل هذا ارتدَّ عن دينه وأجرَينا عليه أحكام الرِّدَّة ؟ ما أظن مسلمًا يعقل ما يقول وما يخرج من فمه يعني هذا ! فإذا كانوا لا يعنون هذا فيبقى هذا الإنكار شكلي لا قيمة له ، وأنا ما سمعت هذا في الواقع من أحد ؛ يعني يمكن أن يُقال : إنه يحسن الكتابة ، ولو سمعتُه لَأقمت عليه الحجة من كلامه ؛ لأني لا أتصوَّر وخاصَّة وأن هؤلاء الكُتَّاب اليوم كثير منهم يريد أن يوسِّع على الناس ولا يضيِّق عليهم ، فأنا سألتهم مثل هذا السؤال : هل مجرَّد ما قال أحد هؤلاء العامة - وما أكثرهم في هذا الزمان ! - : " بشرفي " ؛ كَفَرَ وارتدَّ عن دينه ؟ أنت تتصوَّر يقول هذا ؟

السائل : أنا ما أتصوَّر ، لكن هم قالوا ذلك .

الشيخ : قالوا .

السائل : قد قيلَ : بل لهم حجة في ذلك ؛ وهو أن الرسول - عليه الصلاة والسلام - لما قال لسعد بن عبادة - أو لعمر بن الخطاب لا أذكر - عندما حلف بأبيه أو بالكعبة أو باللات تقريبًا ؛ قال له : ( قل : لا إله إلا الله ) . فقالوا أن لا إله إلا الله هنا عودة له إلى الإسلام بعدما ارتدَّ عن دينه ؛ لأنه ارتَدَّ ، ولا إله إلا الله مدخل إلى الإسلام ... ؟

الشيخ : هذا يضطرُّني إلى بحث جديد وتفصيل طريف ، نحن قسمنا آنفًا الكفر إلى قسمين أو الشرك ، كفر اعتقادي وكفر عملي ، الآن لا بدَّ لتوضيح الحقائق للناس من تقسيم آخر ، فنقول : الكفر كفران ؛ كفر قلبي وكفر لفظي ، فالذي يرتدُّ به المسلم عن الدين هو الكفر القلبي ، أما الكفر اللفظي فلا يرتدُّ به عن دينه ، وأنا ذكرت آنفًا حديث عمر في " الصحيحين " لمَّا سَمِعَه الرسول - عليه السلام - يحلف بأبيه قال : ( لا تحلفوا بآبائكم ) ، ما أمَرَه بأن يقول : لا إله إلا الله ، ولا أعني بهذا أن الحديث الذي ذكرته ليس بصحيح ؛ هو صحيح ، وسأجيب عنه على ضوء هذا التفصيل .

الكفر كفران ؛ كفر قلبي وكفر لفظي ، ما المقصود بالكفر اللفظي ؟ يعني لم يقصد المتلفِّظ بالكفر الكفرَ بقلبه ، وأكبر شاهد على ذلك ما جاء في كتب التفسير في تفسير قوله - تعالى - : (( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ )) أنها نزلت لمَّا أخذ المشركون عمار بن ياسر وعذَّبوه عذابًا شديدًا كبلال الحبشي - رضي الله عنهما - ، ثم عرضوا عليه إذا أراد أن يتخلَّص من عذابهم أن ينالَ من النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ؛ أن يسبَّه وأن يشتمَه ، وكأنهم آنَسُوا منه ضعفًا ، فقالوا له : قُلْ : محمد كذَّاب ، ساحر ، شاعر ، ونحن نطلق سبيلك . فقال ذلك ، وفعلًا أطلقوا سبيله ، لكنه ما كاد أن يشعر بشيء من الراحة حتى عاد إليه نَفَسُه وروعُه ، وعاد يفكر ماذا جنى على نفسه بسبِّه لنبيِّه الذي به أنجاه الله - عز وجل - من الكفر والضلال ؛ فما كان منه إلا أن سارَعَ إلى النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ، فقَصَّ عليه القصة بتفاصيلها ، فما كان منه - عليه الصلاة والسلام - إلا أن قالَ له : ( كيف تجدُ قلبك ؟ ) . قال : أجده مطمئنًّا بالإيمان . قال : ( فإن عادوا فعُدْ ) .

فإن عادوا إلى تعذيبك هذا العذاب الشديد الذي لا طاقة لك بتحمُّله فعُدْ أنت بالخلاص منه بأن تسبَّني لفظًا ما دام أن قلبك عامر بالإيمان ؛ فمِن هذا الحديث وأمثاله - وقد سَبَقَ بعضُها - أخذَ العلماء أن ليس كل مَن تكلَّم بكلمة الكفر فهو كافر كفرَ ردَّة ؛ لأنه قد يقول كلمة الكفر ولا يدري ما هي ، وقد يدري ما هي ، ولكنَّه يقول مُكرهًا كما فعل عمار - رضي الله عنه - ، وهكذا اليوم عامة المسلمين خاصَّةً في غير هذه البلاد التي عمَّرَها الله - عز وجل - بالتوحيد ؛ عامة المسلمين ما فيهم واعظ يقول لهم : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( مَن حلف بغير الله ؛ فقد أشرك ) ، ما يسمعون هذا التذكير إطلاقًا ، إلا في بلاد قليلة ... فهم يحلفون بآبائهم وأبنائهم وشرفهم ولا شرف عندهم و و إلى آخره ؛ هل يقال : هؤلاء كفروا كفر اعتقاد ؟ وأنا الآن أقول تفصيلًا في مسألة الحلف بغير الله ؛ هل مَن حلف بغير الله ارتَدَّ عن دينه ؟ أنا أقول : له حالة من حالتين ؛ إذا حلف بغير الله حلف بأبيه - مثلًا - أو برئيسه أو بمليكه معظِّمًا له بذلك تعظيمَه لربِّه فقد ارتدَّ عن دينه ؛ لماذا ؟ ... .

مواضيع متعلقة