ما معنى الذَّهب المُحلَّق ؟ وبيان حكمه ؟ - صوتيات وتفريغات الإمام الألباني
ما معنى الذَّهب المُحلَّق ؟ وبيان حكمه ؟
A-
A=
A+
السائل : يا شيخ ، بالنسبة للذهب المحلق ... عن الذَّهب المحلق .

الشيخ : الله أكبر .

السائل : الله يجزاك خير يا شيخ ، وطبعًا يعني نبغى نسمعه في الحقيقة سمع وليس قراءة عن .

سائل آخر : السمع مع النظر يعني .

السائل : إي ... الذهب المحلق المقصود فيه بالنسبة للنساء ؟

الشيخ : الذهب المحلَّق ... الخاتم تسمية واصطلاحًا .

السائل : إي نعم .

الشيخ : وأخيرًا ... الطَّوق ، هذا هو الذهب المحلَّق ، ليس الذهب المحلق هو ... ولكن لا ... بالعضو ، لو فرضنا حلقة ذهبية علقتها المرأة في صدرها ، هذا ليس ذهبًا محلَّقًا ، المقصود ... ؛ ولذلك قال - عليه الصلاة والسلام - : ( من أحبَّ أن يُحلِّق حبيبَه بحلقةٍ من نار فليحلِّقه بحلقة من ذهب ، ومن أحبَّ أن يسوِّر حبيبَه بسوارٍ من نار فليسوِّره بسوارٍ من ذهب ، ومن أحبَّ أن يُطوِّق حبيبَه بطوقٍ من نار فليطوِّقه بطوقٍ من ذهب ، أما الفضة فالعبوا بها ) ... فهذه هي الأنواع الثلاثة التي يشملها لفظة الذهب المُحلَّق ، ثم جاءت الأحاديث تؤكِّد هذا المعنى وتُبيِّن أن لفظة ( حبيبه ) لا يعني الذكر ، وإنما يعني الأنثى ، وذلك من ناحيتين اثنتين ؛ لأنَّ ما كان على وزن فعيل في اللغة العربية يشمل الذكر والأنثى ؛ فيقال - مثلًا - امرأة قتيل ، ورجل قتيل ، فلما جاء الحديث بلفظ الحبيب أشكلَ على بعض الناس ؛ قالوا : هذا المذكَّر ؛ فكيف أنت بتفسره بالامرأة بالأنثى ؟ الجواب هو هذا من الناحية العربية ، وآخر الحديث يؤكِّد أن هذا هو المقصود المرأة وليس الذكر ؛ بدليل قوله - عليه السلام - في آخر الحديث : ( وأما الفضَّة فالعبوا بها ، العبوا بها ، العبوا بها ) .

وجمهور الذين يذهبون إلى إباحة الذهب كل الذهب للنساء لا يُبيحون للرجال التحلِّي بالفضة مهما كانت قيمتها ، فهم يقولون الفضة كالذهب يحرم على الرجل أن يتحلَّى بالفضة إلا إذا كان شيئًا يسيرًا ، ويستندون في ذلك بحديث مُخرَّج في " سنن أبي داود " بإسناد ضعيف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر رجلًا أن يتَّخذ خاتمًا من وَرِق وقال له : ( ولا تجعله مثقالًا ) ، ولذلك أجازوا الخاتم من الفضة بهذه النسبة كما جاءت فهو ملحق بالذهب ، وإذا قال في آخر الحديث : ( وأما الفضة فالعبوا بها ) ففي إطلاق التحلي بالفضة ، فإذًا هذا دليل أن الخطاب في ( حبيبه ) ليس للذكور وإنما للإناث .

أيَّد هذا حديث أصحُّ من هذا الحديث ؛ لأنَّ سنده صحيح على شرط الشيخين ، وهو من حديث ثوبان مولى رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - دخلَ على ابنة هبيرة فرأى في أصابعها فتخًا ، فتخًا لا فتحًا ، وإنما فتخًا من ذهب ، وهو خاتم ... ، وكان في يده - عليه السلام - عُصيَّة ، فضربها على إصبعها ، فخرجت بطبيعة الحال حزينة ، وذهبت إلى فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ، وسرعان ما جاء الرسول خلفَها ، دخل على ابنته - عليه السلام - ، وسبحان الله لحكمةٍ يريدها الله رأى في يدها سلسلة من ذهب فقال : ( يا فاطمة ، أيسرُّك أن يتحدَّثَ الناس فيقولوا : فاطمة بنت محمد في عنقها سلسلة من ذهب ؟! ) . قال ثوبان : وعَذَمَها عذمًا شديدًا ، عذمَها أي : وبَّخها توبيخًا شديدًا ، وخرج ؛ فما كان منها - رضي الله عنها - إلا أن أخذت هذه السلسلة ، وراحت إلى السوق فباعتها ، واشترت بقيمتها عبدًا ثم أعتقته ، فلما بلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( الحمد لله الذي أعتق فاطمة من النار ) ، فهذا الحديث يلتقي مع الحديث الأول في تحريم الطوق وتحريم الخاتم .

علماؤنا قديمًا وحديثًا يردُّون هذه الأحاديث بطريقتين اثنتين ، الجريء منهم يتجرَّأ فيضعِّفهما ، وهذا تعدٍّ على أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ، وأكثرهم يقول : نعم هذه أحاديث صحيحة ولكنها منسوخة ، الأول النوع الأول ... أشد الخطأ ؛ لأنَّ الأحاديث هذه صحيحة لا مجال علميًّا حديثيًّا على ضعفها وردِّها ، الفريق الآخر أهدى ولكنه مخطئ - أيضًا - ؛ لأنه يدَّعي النسخ لنوع من الأحاديث يُمكن التوفيق بينه وبين الأحاديث الأخرى التي هم يستندون عليها في الاستدلال بها على إباحة الذهب كل الذهب على النساء ، ومنه الذهب المُحلَّق .

فهم - مثلًا - يستدلون بالحديث المشهور أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - خرج على أصحابه يومًا وفي إحدى يديه ذهب ، والأخرى حرير ؛ فقال : ( هذان حرامان على ذكور أمتي حِلٌّ لإناثها ) ، وهذا حديث صحيح ؛ لكن لا تعارض ولا تنافر بينه وبين الأحاديث المُحرِّمة للذهب المُحلِّق ؛ لماذا ؟

لأن الحديث الثاني ... لأنه ... أبي موسى الأشعري ... فيه إباحة الذهب للنساء مطلقًا ، حديث ثوبان والحديث الأول - هو ما أذكر الآن هو من رواية أبو قتادة الأنصاري أو غيره - فيه تحريم ذهب خاص ، وحينئذ على قواعد علماء أصول الفقه إذا تعارض نصٌّ عام مع نصٍّ خاصٍّ قُيِّد النَّصُّ العام بالنَّصِّ الخاص ، فقيل : ( حلٌّ لإناثها ) ... هذا أسلوب في التوفيق بين الأحاديث ... معروف عند علماء الفقه قاطبة ، والأمثلة على ذلك كثيرة وكثيرة جدًّا من الكتاب والسنة .

نحن - مثلًا - نقرأ في السنة قوله - عليه الصلاة والسلام - : ( يحرم من الرضاع ما يحرم من النَّسب ) - وعليكم السلام ، طيب بأمان الله ، وعليكم السلام - ، وهل في القرآن مثل هذا التحريم ؟ ... ( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ) أم لا ؟ في القرآن (( وأمهاتكم الاتي أرضعنكم )) ، بس جاء الحديث فزاد على هذا النص القرآني ، فلم نرفض الحديث بهذا النَّصِّ ؛ لأن القرآن دائرته ضيِّقة ، بل أضفنا النص القرآني إلى الحديث فالتأما واتفقا ولم يتعارضا ، كذلك - مثلًا - قوله - تعالى - : (( حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير )) إلى آخر الآية ، هذا نصٌّ يُشبه في عمومه حديث أبي موسى : ( حلٌّ لإناثنا ) ، لكن هذا العموم قد خُصِّص ، وما خُصِّص في الحديث خصص ... ، قال - عليه الصلاة والسلام - : ( أُحلَّت لنا ميتتان ودمان : الحوت والجراد ، والكبد والطحال ) ؛ فهل نقول هذا الحديث معارض للقرآن فنقول : القرآن حرَّم الميتة كلَّ ميتة ، وحرَّم الدَّم كلَّ دم ؟ أم نقول : هذا نصٌّ عام خُصِّص بحديث الرسول - عليه الصلاة والسلام - ، وتكون الحصيلة والثمرة من هذا التخصيص أن يُقال : " حُرِّمت عليكم الميتة إلا ميتة الحوت والجراد والدم إلا دم الكبد والطحال " ؟ هكذا يُوفِّق العلماء بين النَّصِّ العام والنَّصِّ الخاص .

نرجع للحديث نجد العملية كذلك ؛ ( حلٌّ لإناثها ) نصٌّ عام شمل كلَّ ذهب ، حُرِّم الذهب المحلَّق في الأحاديث السابقة ؛ فحينئذٍ نقول : حلٌّ لإناثها إلا ما استثني ، ما الذي استثني ؟ ... آنفا أحدهما وهو الذهب المحلق ... ، لكن هناك شيء محرَّم ، ومن أعجب العجب أن ... تحريم الذهب المحلَّق ... على من يقول بتحريم الذهب المُحلَّق لا يدندن أبدًا حول تحريم آخر للذهب على النساء ؛ وهو قوله - عليه الصلاة والسلام - : ( من أكل أو شرب في آنية ذهب أو فضة فكأنما يُجرجر في بطنه نار جهنم ) ، ( من أكل أو شرب في آنية ذهب أو فضة ) الآن ماذا نفعل بالحديث نضربه بحديث ... أم نستثني من هذا الحديث الأواني الذهبيّة ؛ فيقال : حلٌّ لإناثها إلا ما استثني ، ما هو ؟ ... في ... الذهب ، وأيضًا الذهب المُحلَّق ، لا أحد من الذين يدندنون حول هذه المسألة يذكر موضوع أواني الذهب والفضة المحرَّمة حتى على النساء ؛ فماذا يفعلون بـ ( حلٌّ لإناثها ) ؟ لا يعطون جوابًا ؛ لأنُّو هذا لا يهمُّهم ؛ لأنه مش موضوع الساعة ، موضوع الساعة الذهب المُحلَّق ... يصبُّون كل جهودهم لإثبات أن الذهب المُحلَّق حلال ؛ ما هو الدليل ؟ النص العام ، النص العام ليس دليلًا يُردُّ به النَّصَّ الخاصَّ ؛ وإلا لَوجدنا القول بتحريم صحائف الذهب على النساء بدليل النَّصِّ العام : ( حلٌّ لإناثها ) .
  • فتاوى جدة - شريط : 22
  • توقيت الفهرسة : 01:15:52
  • نسخة مدققة إملائيًّا

مواضيع متعلقة