قال الله - تعالى - : (( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ )) ، وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - لمَّا وضع الجريدة على القبرين : ( لعله يخفِّف عنهما ما لم يَيْبَسَا ) ؛ فكيف نوفِّق بين قوله - تعالى - والحديث ؟ - صوتيات وتفريغات الإمام الألباني
قال الله - تعالى - : (( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ )) ، وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - لمَّا وضع الجريدة على القبرين : ( لعله يخفِّف عنهما ما لم يَيْبَسَا ) ؛ فكيف نوفِّق بين قوله - تعالى - والحديث ؟
A-
A=
A+
الشيخ : يقول الله - عز وجل - : "ما " (( مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ )) . الآية : (( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ )) . ويقول الرسول - عليه الصلاة والسلام - يستغفر له الجريدة ( ما لم يَيْبَسَا ) ، عندما وضع الجريدة على القبرين ؛ كيف نوفِّق بين قوله - تعالى - والحديث ؟

السائل أخطأ مرَّتين ، المرة الأولى حينما لم يسُقْ لفظ الآية على صوابها ، والمرة الأخرى حينما أدخل في الحديث ما ليس فيه ؛ حيث ذكر السَّائل قوله : يستغفر أو يستغفران ، في الحديث يستغفران أي : الجريدة ، فبالتالي أشكل على السَّائل الحديث مع الآية ، لكنه ليس في الحديث إطلاقًا إنه يستغفر أو يُسبِّح حتى نتوهَّم التعارض بين الآية وبين الحديث ، ولكن فيما يبدو لي قام في ذهن السَّائل المعنى السائد في أذهان عامة الناس من القصة الصحيحة اللي مروية في البخاري ومسلم أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - مرَّ بقبرين فقال : ( أما إنهما ليُعذَّبان وما يعذَّبان في كبير ، أما أحدهما فكان يسعى بالنَّميمة ، وأما الآخر فكان لا يستنزِهُ من البول ) ، ثم أمر رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - بجريدة من نخيل فشقَّها شقَّين ووضع كل شقٍّ على قبر ؛ فقالوا : لماذا يا رسول الله ؟ قال - هذا نصُّ الحديث - : ( لعل الله أن يُخفِّف عنهما العذاب ما دام الغصنان رطبَين ) .

فليس في الحديث التسبيح أو عدمه حتَّى يتعارض مع الحديث ، ولكن الناس - عفوًا حتى يتعارض مع الآية - ولكن الناس قام في أذهانهم أنَّ سبب تخفيف العذاب على القبرين إنما هو تسبيح الغصنَين ما داما رطبين ، فأشكل هذا المعنى الذي هو سائد على أذهان الناس وليس صحيحًا ، أشكل على السَّائل لأن الحديث قيَّد التخفيف بما دام الغصنان رطبين ، فمفهومه أنهما إذا يَبِسَا لم يعودا يسبِّحان الله ، والله يقول : (( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ )) ، من هنا جاء الإشكال على السَّائل ؛ لكن الحقيقة أن الحديث لا يعني مطلقًا أن الغصن يُسبِّح ، ليس في الحديث ذكر للتسبيح لا تصريحًا ولا تلميحًا ، وإنما بعض الناس توهَّم أن سبب تخفيف العذاب عن المقبورين إنما هو الرطوبة القائمة في الغصنَين ، فإذا ذهبت ذهبَ تخفيف العذاب عنهما ، فلا إشكال إذًا ، الآية على إطلاقها : (( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ )) ، سواء كان حجرًا أو كان شجرًا ، وسواء كان هذا الشجر رطبًا أو كان يابسًا فالآية على إطلاقها .

أين يَرِدُ السؤال ؟ ما السِّرُّ في تخفيف العذاب عن الرجلين المقبورين ؟ وما السِّرُّ في قوله - عليه السلام - : ( ما لم يَيْبَسَا ) ؟

الجواب في حديثٍ آخر ، هذا الحديث الذي سُقْناه آنفًا هو من حديث ابن عباس في البخاري ومسلم ، فجاء الحديث في " صحيح مسلم " وحده من رواية جابر بن عبد الله الأنصاري - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال في هذه الحادثة أو فيما يُشبهها لما أمر بوضع الغصن وسئل عن السبب ؛ قال : ( إن الله - تبارك وتعالى - استجابَ أو قَبِلَ شفاعتي في أن يخفِّف عنه العذاب ما دام الغصن رطبًا ) ، فإذًا سبب تخفيف العذاب هو شفاعة الرسول ودعاؤه للمقبور ، والرطوبة ليست سببًا لتخفيف العذاب ، وإنما علامة لمدَّة تخفيف العذاب ، هذا معنى الحديث .

تخفيف العذاب سببه شفاعة الرسول - عليه السلام - ودعاؤه للمقبور ، الرطوبة القائمة في الغصن هي علامة ما بقيت على تخفيف العذاب ، فإذا ما ذهبت هذه النَّداوة وهذه الرطوبة وأصبح الغصن يابسًا عاد العذاب إلى المقبور ، هذا هو السِّرُّ والسبب في تخفيف العذاب عن الميت في هذا الحديث ، وليس السِّرُّ هو أن الغصن ما دام رطبًا يُسبِّح الله وما دام يابسًا لا يسبِّح الله ؛ حين ذلك يتعارض هذا مع الآية ، ليس في الحديث شيء من ذلك مطلقًا ، فالآية على عمومها وعلى إطلاقها كما قال - تعالى - : (( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ )) .

مواضيع متعلقة