بيان حكم الإشارة في الجلوس بين السجدتين . - صوتيات وتفريغات الإمام الألباني
بيان حكم الإشارة في الجلوس بين السجدتين .
A-
A=
A+
الشيخ : إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيِّئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادى له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ، (( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون )) ، (( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا )) ، (( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا )) ، أما بعد :

فقد جرى بحثٌ في المسجد حول ما رأيت بعضهم يحرِّك إصبعه السبابة بين السجدتين ، فلما سألته عن مستنده في ذلك ؟ أجاب بعضهم بأن هناك حديث ابن عمر الذي يقول : " إن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - كان إذا جلس في الصلاة أشار بالسبابة " ، قلت له : نعم ، هذا موجود ، وحجته هو أن الجلوس هنا مطلق ، فيشمل كل جلوس سواء كان جلوس تشهُّد أو جلوس دعاء بين السجدتين ، فأجبته بأن حديث ابن عمر قد جاء بروايتين ؛ إحداهما مطلقة ، والأخرى مقيِّدة ، ويصح أن نقول : إنها مبيِّنة ، فإن اقتنعت بهذا وإلا فراجع " صحيح مسلم " ، وها هو الآن قد جاء بـ " صحيح مسلم " وهو الذي ترونه بين يدي ، والآن نُجري درسًا عمليًّا فيه شيء من الفقه النافع - إن شاء الله - حتى يتمرَّس طلاب العلم على طريقة التطبيق والتوفيق بين النصوص ، فلا يأتون بعبادة لم تُنقل عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ولا عن أحد من السلف الصالح بناءً على فهم لنصٍّ على إطلاقه أو على عمومه ؛ ولقد ذكرت في جلسات مضت أن : " أيَّ نصٍّ مطلق أو أيَّ نصٍّ عامٍّ لم يجرِ العمل عند السلف الصالح بذاك المطلق أو بذاك الجزء من أجزاء النص العام ؛ فلا يجوز العمل به احتجاجًا بذاك النَّصِّ الذي لم يجرِ العمل به " .

كنت ضربتُ على ذلك مثلًا قوله - عليه الصلاة والسلام - : ( صلاة الاثنين أزكى من صلاة الرجل وحده ، وصلاة الثلاثة أزكى من صلاة الرجلين ) وهكذا ، وبنيتُ على ذلك وضربتُ على ذلك مثلًا : لو دخل جماعةٌ المسجدَ لصلاة السنة القبلية فتفرَّقوا كلٌّ يصلي لوحده ، فناداهم منادٍ - كلٌّ يصلي لوحده كما نشاهد اليوم ، وهذه من السنة العمليَّة المتوارثة خلفًا عن سلف - فنادى منادٍ : أيها الناس ، يد الله على الجماعة لا تتفرَّقوا في صلاتكم ، اجتمعوا في صلاتكم يُبارك لكم فيها ، وقال - عليه السلام - كذا وكذا ، ومن جملة ما قال الحديث المذكور آنفًا : ( صلاة الرجل مع رجل أزكى من صلاته وحده ) ؛ فصلوا جماعة ؛ فهل يكونون قد أصابوا السنة أم خالفوها ؟

لقد بيَّنت أن هذا خلاف السنة وإن كان عموم هذا الحديث يشمل هذه الجزئية منه ، ولكن لما لم يكن قد جرى العمل من السلف الصالح على هذه الجماعة بذاتها ؛ فلا يجوز العمل بها وإن كان عموم النَّصِّ يشملها ، هذه قاعدة مهمَّة جدًّا لا يتنبَّه لها كثير من أهل العلم والفضل فضلًا عمَّن دونهم في العلم والفضل كطلاب العلم !

الآن عندنا ما يشبه هذا المثال وهو مثال جديد ؛ هنا في " صحيح مسلم " على الهامش : " باب سنة الجلوس " ، أو " باب سنة الجلوس في الصلاة وكيفية وضع اليدين على الفخذين " .

بهذه المناسبة أذكِّر والذكرى تنفع المؤمنين ؛ هذه الأبواب التي تجدونها تارةً في النسخ القديمة من " صحيح مسلم " تجدونها على الهامش ، وفي الطبعات - أو في بعض الطبعات الجديدة - تجدون هذه الأبواب في " صحيح مسلم " ، هذا خطأٌ ناشئٌ عن خطأٍ ، وهو أن هذه الأبواب ليست من صنع الإمام مسلم ، وإنما هي من فعل الإمام النووي - رحمه الله - ، فلذلك إن وضعت على الهامش فهو الحقُّ ، وإذا وضعت في صلب " صحيح مسلم " فهو الخطأ ؛ لأننا إذا وضعناها في صلب " صحيح مسلم " أوهمنا القراء بأن هذه الأبواب إنما هي من صنيع مسلم المؤلف ، وليس الأمر كذلك ، وليس لمسلم في كتابه المعروف بـ " الصحيح " إلا الكتب : " كتاب الإيمان ، كتاب الصلاة ، كتاب الطهارة ، وهكذا " ، أما التفاصيل التي جرى عليها أكثر المؤلِّفين في السنة أو في السنن فلم يجرِ عليها الإمام مسلم ، أرجو ... .

بعد هذه الملاحظة أو هذا التنبيه نقول :

قد روى مسلم في " صحيحه " بإسناده الصحيح من طريق عثمان بن حكيم ، حدَّثني عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال : " كان رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - إذا قعد في الصلاة جعل قدمه اليسرى بين فخذيه بين فخذه وساقه ، وفرش قدمه اليمنى ، ووضع يده اليسرى على ركبته اليسرى ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى وأشار بإصبعه " .

فالشاهد : أن بعضهم في هذا العصر يستدل بهذا الحديث على أن الإشارة بالإصبع تكون - أيضًا - في مطلق الجلوس ، وبينه وبين السجدتين ؛ لماذا ؟ لأن ابن الزبير قال : " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قعد في الصلاة " فأطلق الصلاة ، ثم يُعيد الإمام مسلم هذا الحديث من طريق ابن عجلان عن عامر بن عبد الله ، هناك - أرجو الانتباه لأنه سيأتي التذكير بمسألة أخرى - في السند الأول يسوق إسناده إلى عثمان بن حكيم ، وهذا عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه إلى آخره ، في السند الثاني يسوق إسنادًا آخر ، ومن طريق ابن عجلان عن عامر بن عبد الله بن الزبير ، فقد التقى اثنان في الرواية عن عامر بن عبدالله بن الزبير ، الأول عثمان بن حكيم ، والآخر ابن عجلان - وهو محمد بن عجلان - ، قال : عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال : " كان رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - إذا قعد يدعو " ، هنا كالرواية الأولى ؛ إلا أن اللفظ اختلف والمعنى اتحد ، في الرواية الأولى : " جلس " ، وفي الرواية الأخرى : " قعد " ، في الرواية الأولى التي هي من طريق عثمان بن حكيم قال بلفظ : " جلس " ، أما من طريق ابن عجلان فهو بلفظ : " كان إذا قعد " ، فإذًا أطلق في كلٍّ من الروايتين أن الإشارة كانت في الجلوس في الصلاة .

لنتابع ما فعل الإمام مسلم بعد حديث ابن عبد الله بن الزبير من طريق عثمان بن حكيم وابن عجلان عن عامر بن عبد الله بن الزبير ؛ لقد ساقَ من طريق نافع عن ابن عمر : " أن النبيَّ - صلى الله عليه وآله وسلم - كان إذا جلس في الصلاة " ، أيضًا هنا ذكر الجلوس وأطلقه إلى آخره ، ثم ساق من طريق نافع - أيضًا - لكن الراوي هنا يختلف عن الراوي في الطريق الأولى ، الطريق الأولى هي عن عبيد الله بن عمر عن نافع ، الطريق الأخرى هي عن أيوب عن نافع عن ابن عمر : " أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - كان إذا قعد في التشهد " - انتبهوا الآن - هنا جاءت زيادة : " في التشهد " وبلفظ : " قعد " كما تقدَّم في بعض الروايات السابقة ، لكن في الرواية السابقة أطلق القعود كما أطلق الجلوس ، والمعنى واحد كما هو واضح ، أما هنا فقال : " كان إذا قعد في التشهد وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى " إلى آخر ما تقدَّم .

ساق بعد ذلك طريقًا أخرى بالمرَّة عن ابن عمر يقول الراوي علي بن عبد الرحمن المعاوي أنه قال : رآني عبد الله بن عمر وأنا أعبث بالحصى في الصلاة ، فلما انصرف نهاني ، وقال : اصنع كما كان رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يصنع . فقلت : وكيف كان رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يصنع ؟ قال : " كان إذا جلس في الصلاة وضع كفَّه اليمنى على فخذه اليمنى " إلى آخره ، هكذا جاءت هذه الرواية الأخرى عن ابن عمر أطلقت هذا الجلوس أو هذا القعود ، بينما الرواية التي قبلها صرَّحت بأن هذا التحريك كان في القعود ولكن في التشهد .

إذا طوينا الآن " صحيح مسلم " ، واستحضرنا هذه الروايات في أذهاننا لَوجدنا ما ذكرنا أن رواية من هذه الروايات قيَّدت الإشارة بالإصبع في الجلوس في التشهد ، هذا القيد هو الذي جاء - أيضًا - في أحاديث أخرى من غير رواية ابن الزبير ، ومن غير رواية ابن عمر ؛ كرواية وائل بن حجر المشهورة ففيها : " أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لما جلس في التشهد وضع اليسرى على فخذه اليسرى ، واليمنى على فخذه اليمنى ، وقبض أصابعه ، وحلَّق بالإبهام والوسطى ، وأشار بالسَّبابة ، فرأيته يحرِّكها يدعو بها " ، هكذا جاءت الأحاديث الأخرى مقيِّدةً للإشارة أو للتحريك بالتشهد وليس بالإطلاق ، هذا من حيث الرواية عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - .

قلت آنفًا وقد ضربت مثلًا بنصٍّ أوضح من حيث العموم والشمول من هذا الحديث الذي أطلق الجلوس والقعود ، ولكنه جاء مقيَّدًا بالتشهد ؛ ضربت مثلًا بقوله - عليه السلام - : ( صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده ) ؛ فهل يصحُّ لنا أن نستدل بهذا العموم على أن نصلي السُّنن جماعة ؟ الجواب : لا ، ما هو السبب مع أن الحديث واضح الدلالة ؛ ( صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده ) ؟ الجواب : لا ؛ لأنَّ السلف لم يجرِ عملهم على هذا الفهم لهذه الجزئية من هذا العموم ، كذلك الأمر ههنا ؛ لم يجرِ عمل السلف على تحريك الإصبع بين السجدتين ، وإن جاء هذا النَّصُّ المطلق فالنَّصُّ المطلق هنا كالنَّصِّ العام هناك ، هنا قال : " إذا جلس " ، وهناك قال : ( صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده ) ، لم نعمل بهذا العموم هنا لما ذكرته آنفًا ؛ وهو عدم جريان عمل السلف عليه ، وكذلك نقول في مثل هذه الأحاديث أنه يُوفَّق بينها ولا يُجعل كلُّ حديث يعطي حكمًا آخر غير ما أعطاه الآخر - أيضًا - ، وإنما نوفِّق بين الأحاديث ونخرج بينها بنتيجة هي نتيجة واحدة ؛ أن التحريك المطلق في بعض الروايات - كما سمعتم - " كان إذا جلس أو قعد " هو مقيَّد بقوله : " في التشهد " ، هذا الذي أردتُ بيانه بمناسبة ما قد جرى من البحث حول حديث ابن عمر هذا .
  • فتاوى جدة - شريط : 14
  • توقيت الفهرسة : 00:00:39
  • نسخة مدققة إملائيًّا

مواضيع متعلقة