هل يجوز الإقامة في بلاد الكفر؟ وهل يجب على الكافر إذا أسلم أن يهاجر إلى بلاد الإسلام - صوتيات وتفريغات الإمام الألباني
هل يجوز الإقامة في بلاد الكفر؟ وهل يجب على الكافر إذا أسلم أن يهاجر إلى بلاد الإسلام
A-
A=
A+
السائل : الإقامة في بلاد الكفر, سؤال عن هذا الأمر, وزيادة عليه على الناس الأمريكان الذين هم مسلمين, الأمريكان الذين هم في الأصل مسلمين هل يجب عليهم الهجرة من هناك .؟

الشيخ : وهل من شك في ذلك, لهؤلاء قال تعالى: (( ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها )) .

لكن قبل سؤالك الأخير السطر الأول منه, ما أدري أنت ثابت على سؤاله فنجيب عنه .؟

السائل : أكون شاكر لو تجيب عنه .

الشيخ : بارك الله فيك ، أنا في اعتقادي أن السطر الأول من السؤال يفهم ضمنا من الجواب عن السطر الثاني منه, لكن لعله من الأفضل بيان ما جاء في السنة من الأحاديث الصحيحة التي تحذر المسلم من أن يستوطن بلاد الكفر, هناك في علم الفقه والأصول قياس يسمى بالقياس الأولوي, إذا كان أهل البلد ولادة ووراثة إذا ما أسلموا وجب عليهم أن يهاجروا إلى بلاد الإسلام فمن باب أولى على من كان على العكس من ذلك, ولد في بلاد الإسلام ونشأ وتربى أنه لا يجوز له أن يسافر, ولا أقول أن يهاجر إلى بلاد الكفر, هذا من باب أولى, لكن مع ذلك أقول الأحاديث جاءت تترى لتنهى المسلم من أن يسافر إلى بلاد الكفر, فمن ذلك الحديث الذي رواه أبو داود في سننه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال بأوجز عبارة: ( من جامع المشرك فهو مثله ) والمجامعة هنا المقصود المخالطة, أي المساكنة, وجاءت أحاديث أخرى تأكد هذا المعنى بأوضح عبارة, فيقول عليه الصلاة والسلام: ( المسلم والمشرك لا تتراءى نارهما ) هذا كناية عن أنه يجب على المسلم أن يكون مسكنه بعيدا عن مسكن المشرك, لأن العرب كان من عادتهم أنهم كانوا يوقدون النار أمام دورهم أمام خيامهم, فيتراء النار للقادم من بعيد, فكأن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول للمسلم: ابعد ابعد ما استطعت عن أن يرى نارك الكافر المشرك, المسلم والمشرك لا تتراءى نارهما, يؤكد هذا أيضا حديث ثالث وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ( أنا بريء من كل مسلم يقيم بين ظهرانيّ المشركين ) .

هذه نصوص واضحة جدا أنها تؤكد أنه لا يجوز للمسلم أن يسكن بين ظهراني المشركين, والحكمة من ذلك واضحة جدا, ليس من الناحية المنطقية أو العقلية أو التجربية, لأن هذا أمر ثانوي بالنسبة للنصوص النقلية, فهناك بعض الأحاديث التي يمكن أن يعتمد عليها لأخذ جواب سؤال قد يتبادر لبعض الأذهان حينما يسمعون تلك الأحاديث, ما هو السر, ما هي الغاية, ما هي الحكمة من نهي الرسول عليه الصلاة والسلام من المسلم من مخالطة المشرك .؟

هناك حديثان من المناسب ذكرهما كجواب عن هذا التساؤل, الأول قوله صلى الله عليه وسلم: ( مثل الجليس الصالح كمثل بائع المسك, إما أن يحذيك وإما أن تشتري منه, وإما أن تشم منه رائحة طيبة, ومثل جليس السوء كمثل الحداد, إما أن يحرق ثيابك وإما أن تشم منه رائحة كريهة ) هذا رسول الله صلى عليه وسلم يضرب مثلا للمجلس المصغر, مجلس مصغر تجلس مع إنسان واحد فرد, فيقول لك إن كان صالحا فمثله كمثل بائع المسك إلى آخر الحديث, أو كان طالحا فكالحداد إما أن يحرق ثيابك وإما أن تشم منه رائحة كريهة .

الحديث الثاني الذي يؤكد الحديث الأول والواقع أيضا يزيده تأكيدا, وهو ما رواه الإمام مسلم وربما البخاري أيضا في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( قتل رجل ممن قبلكم تسعة وتسعين نفسا, ثم أراد أن يتوب, فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب, فأتاه وقال له أنا قتل تسعة وتسعين نفسا فهل لي من توبة, قال: قتلت تسعة وتسعين نفسا وتسأل هل لك من توبة, لا توبة لك. فأكمل به عدد المائة, ثم لم يزل يسأل حتى دل على عالم ) هو من قبل دل على راهب أي متعبد جاهل, فأفتاه بجهله فكان عاقبة أمره أن ألحقه بالسابقين من القتلى, في المرة الثانية دل على عالم ( فجاءه فقال له إنه قتل مائة نفس بغير الحق, فهل لي من توبة, فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة انطلق, ولكنك بأرض سوء ) هنا الشاهد: بأرض سوء ( فاخرج منها إلى القرية الفلانية الصالح أهلها, فانطلق إليهم ... ) إلى تمام الحديث, وهو معروف إن شاء الله, الشاهد أن هذا الرجل العالم متفقه بفقه هذه الأحاديث, وهذا لا يمنع أن هذه الأحاديث حدثنا بها الرسول عليه الصلاة والسلام, لا يمنع أن يكون هذا من فقه الأنبياء من قبله عليهم السلام, لأنهم جميعا كانوا يستقون من مشكاة واحدة, فإذا هذا العالم فهم هذه الحقيقة أن الجو الموبوء فهو قد يعدي الشخص الصالح فيما إذا خالطه, وهذا مثاله من النواحي المادية المرضية الأمراض التي تتعدى, ولذلك فجاء هنا الحجر الصحي المعروف اليوم, والرسول صلى الله عليه وسلم قد وضع قاعدته في الحديث المعروف: ( إذا وقع الطاعون بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها, وإذا وقع الطاعون في أرض لستم فيها فلا تدخلوا إليها ) وهكذا .

إذا رسول الله صلى عليه وسلم حينما حرّم على المسلمين أن يستوطنوا بلاد الكفر إنما هو محافظة على عقيدتهم وعلى عبادتهم على سلوكهم, فلهذا أوجب ليس على المشركين, هذا أمر مهم جدا أيضا وربما قل ما تعرضت له, حينما نتكلم عن مثل هذه المسألة, الرسول صلى الله عليه وسلم أو الشارع الحكيم أوجب على المشركين إذا أسلموا أن يهاجروا إلى بلاد الإسلام, بل أوجب على الأعراب أن يهاجروا من بداوتهم إلى حضرهم, هذا أيضا فيه مراعاة نفس المعنى, لأن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول في بعض الأحاديث: ( من بدا جفا ) فإذا عاش الأعرابي بعد أن تلقن التوحيد وتعلم ما يجب عليه لتصحيح إيمانه وإسلامه, ثم رجع إلى باديته وعاش فيها, فقد يتأثر بالجفاء الذي هو من طبيعة الأعراب, فإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم حض الأعراب أولا على أن يعودوا حضرا, ثم ربط بذلك حكما شرعيا, وهو أنه ليس لهم حق في المغانم التي يغنمها المسلمون بسبب مقاتلة الكفار, فأولى وأولى أن يوجب على المسلمين أن يلزموا ديارهم وألا ينتقلوا إلى بلاد الكفر والشرك والضلال وبخاصة في هذه الأيام, لأنكم تعلمون بأن اليهود والنصارى وإن كانوا ضالين بسبب انحرافهم أولا عن التوحيد الذي يبلغهم عن أنبيائهم, ثم بسبب كفرهم بنبينا صلى الله عليه وسلم فهم مع ذلك كانوا على شيء من السلوك الحسن والأخلاق الطيبة ووو إلى آخره, ومن كان في سنّي أو قريبا منه, فهو يعلم أن نساء النصارى في بلاد الإسلام كن يتحجبن بحجاب أحسن من كثير من المسلمات اليوم, ومعنى هذا الكلام أن أهل الكتاب ما كان انتشر فيهم الفسق والفجور والخلاعة الانتشار الذي أخذ يشكو منه العقلاء إن كان فيهم عقلاء من هؤلاء الكفار في بلادهم, فلذلك كيف يجوز لمسلم أن يعرض نفسه لهذا المجتمع الموضوع للتفسخ الخلقي والتحلل الخلقي هذا, هذا ما عندي جوابا عن ذاك السؤال.

السائل : هذه الأحاديث هناك من يؤولها بأنه هذه الأحاديث كلها فيها نوع من الأمر بالهجرة إلى المدينة المنورة, والهجرة كانت أمر من النبي صلى الله عليه وسلم للناس للمسلمين أن يهاجروا إليه, فالذين ما هاجروا كانوا قد اقترفوا هذا الإثم, فهذه الأحاديث إنما تعني وجوب هجرة المسلم إلى دار الإسلام حينما يكون للمسلمين إمام يأمرهم بالهجرة إليه, والرسول صلى الله عليه وسلم نفسه لما فتحت مكة قال: ( لا هجرة بعد الفتح ) فأوقف هذه الهجرة, يعني ما طلب من الناس الذين هم في ديار الشرك أن يأتونه لأنه قال: ( لا هجرة بعد الفتح ) , وحديث : ( أنا بريء ممن يقيم بين ظهراني المشركين ) مرادف للآية: (( والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء )) فهذا معنى أنا بريء, فمعنى بريء يعني أنه ليس لهم حق المواطنة في المدينة المنورة في الدولة المسلمة, لذلك هو بريء من دمائهم إن حصلت حرب بينه وبينهم وأتوا مع المشركين, أو إذا أغار على قوم مشركين وكانوا منهم وقتل منهم لأنهم ما هاجروا كما في بعض الأحاديث أنهم بعض المسلمين أتوا مع المشركين في بدر فقتلوا فما أثم المسلمين على قتلهم, وفي نفس هذا الحديث : ( أنا بريء من كل مسلم أقام بين ظهراني المشركين ) فيه تكملة في بدايته ونهايته, قد لا أذكرها بالنص لكن مؤداها أن المسلمين أغاروا على قوم مشركين وكان فيهم مسلمون, فالمسلمون اللي مع المشركين سجدوا حتى ينبهوا المسلمين إلى أنهم مسلمون, فأسرع فيهم القتل, فالمسلمون شكوا في ذلك كيف قتلوا إخوانهم, فقال صلى الله عليه وسلم : ( أنا بريء من كل مسلم يقيم بين ظهراني المشركين ) فهذه الأحاديث إذا فسرت بأنها كانت أمر بالهجرة, والهجرة هي أمر بالهجرة إلى دار الإسلام, وهي مشروطة بوجود إمام ودولة مسلمة تأمر بالهجرة, حتى النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: ( لا هجرة بعد الفتح ) انتهى هذا الأمر, فهل هذا التأويل لهذه الأحاديث مستساغ ممكن .؟

الشيخ : أنا أعتقد كما يقال ولا مؤاخذة : لقد أبعدت النجعة, ما أدري أنت تشعر معي أنه نحن تطرقنا للجواب عن سؤالك ذي الشقين, أحدهما يتعلق بالهجرة التي أنت الآن تدندن حولها, والآخر يتعلق, لا أقول مكررا لما قلته آنفا, لا أقول بهجرة المسلم إلى بلاد الكافر, وإنما بسفره إلى بلاد الكفر, فأنا أراك الآن أنت تدندن حول ليس فقط الحديث أو الأحاديث التي تأمر الكافر بأن يهاجر من بلد الكفر إلى بلد الإسلام, بل والآية التي أنا أشرت لها آنفا, أنت تدندن حول هذه النقطة بالذات, وجوابا على هذه الدندنة أنا أقول: أعجبني منك حينما قلت: إن بعض الناس يتأولون هذه النصوص بهذا التأويل, لكني خشيت أنك قد لا تعني بلفظة التأويل المعنى الاصطلاحي له, لأن التأويل لغة قد يأتي بمعنى التفسير, فخشيت أن تعني بكلمة التأويل هو التفسير, وهذه الخشية بدت لي أخيرا حينما استعملت التفسير, لفظة التفسير, فأظنك إذا لا تعني التأويل بمعنى الاصطلاحي وإنما التأويل بمعنى التفسير.

السائل : نعم .

الشيخ : طيب, الرسول صلى الله عليه وسلم كما ذكرت تماما أنه قال: ( لا هجرة بعد الفتح ) هل هذا النص فيما تعلم هو عام أم خاص؟

السائل : عام في ماذا تقصد عفوا.؟

الشيخ : يعني لا هجرة مطلقا لأي بلد إسلامي من أي بلد كافر, أم لا هجرة فقط إلى المدينة.؟

السائل : هو هذا السؤال المطروح, هل لا هجرة تعني لا هجرة إلى المدينة المنورة أم أنه لا هجرة معناها لا وجوب للهجر إلى ديار المسلمين, وإنما كان الأمر بالمجيء إلى دار المسلمين إنما هو الأمر بالهجرة ... .

الشيخ : أنا ما فهمت أن هذا كان سؤالا, إنما فهمت أن هذا كان تفسيرا لتلك النصوص وحمل لها على الهجرة التي كانت من قبل واجبة ثم أصبحت منسوخة بقوله عليه السلام : ( لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا ) هكذا فهمت من كلامك, وما فهمت أنك وجهت سؤالا هذا السؤال الذي أنا وجهته إليك, قوله عليه السلام: ( لا هجرة بعد الفتح ) هل يعني لا هجرة مطلقا أم هو يعني هو لا هجرة إلى المدينة, لأن الله نصر نبيه وأعزّ جنده ومكن لدينه في المدينة, بعد ذلك لم يكن هناك حاجة بعد أن تمكن الإسلام والمسلمون في بلدهم وقامت دولتهم.

( لا هجرة بعد الفتح ) فأنا أقول جوابا على هذا السؤال, الحديث بارك الله فيك ليس عاما, أي هو لا ينفي استمرارية الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام, وإنما هو يمعنى لا هجرة بعد فتح مكة إلى المدينة, لأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان قد خطط بأمر من الله عزّ وجل أن يتجمع المسلمون وأن يتكتلوا في دار المدينة لتقوم دولتهم وليتجمعوا لمحاربة الكفار في مكة الذين استضعفوا المؤمنين وعذبوهم, فلما نصر الله عزّ وجل نبيه وأعز جنده وفتح مكة قال: ( لا هجرة بعد الفتح ولكنه جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا ) ولذلك أذكر هنا بقاعدة, إنّ ما نقلته آنفا عن بعضهم معنى ذلك المصير إلى نسخ نصوص كثيرة وكثيرة جدا أولها الآية التي تقول: (( ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها )) فأريد أن أذكر أن النسخ إنما يصار إليه حينما يتعارض نصان صحيحان تعارضا متنافرا كل التنافر لا يمكن التوفيق بينهما بوجه من وجوه التوفيق المعروفة عند العلماء والتي أوصلها بعضهم إلى أكثر من مائة وجه, فحينما لا يمكن الجمع بالوجه الأول الثاني الثالث, فحينئذ يقال هذا ناسخ وهذا منسوخ أو العكس, وهذا فيه شرط مهم جدا وهو أن يعرف المتقدم من المتأخر, فالنسخ لا يصار إليه إلا بعد أن تسد كل الطرق للجمع بين النصوص, وهنا لا ضرورة إطلاقا ولا حاجة, ليس فقط ضرورة, لا حاجة للصيرورة إلى ادّعاء نسخ الآية فضلا عن الأحاديث التي ذكرناها آنفا من أن الشارع الحكيم حض الأعراب أن يهاجروا من باديتهم إلى حاضرتهم ليكون لهم ما للمسلمين عامة من الغنائم, نسخ هذه النصوص مع إمكان الجمع بالمعنى الذي نعرفه عن العلماء قاطبة في تفسيرهم لحديث: ( لا هجرة بعد الفتح ) أي لا هجرة إلى المدينة, هذا الذي رفع, أما الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام فبابها مفتوح وماض إلى يوم القيامة, وهذا مذكور في العقائد المتوارثة خلفا عن سلف, كما أنهم يقولون الجهاد ماض إلى يوم القيامة كذلك يقولون الهجرة ماضية إلى يوم القيامة, ولعل هناك حديثا بهذا الخصوص ولكن الآن لا أستحضره, ما أدري إذا كان بعض إخواننا يذكر هذا ...

السائل : هو: ( ما زالت الهجرة ما زال الجهاد ) .

الشيخ : هذا هو الشاهد, لكن هذا الكلام كله في الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام مما يعني أنه ليس منسوخا هذا, إنما المنسوخ الهجرة فقط إلى المدينة, بمعنى لو أن مسلما هاجر اليوم من المدينة إلى مكة ما أحد يقول له لماذا خالفت, لا, فضلا هاجر من بلد آخر إلى مكة دون المدينة, ما أحد ينكر هذا الشيء إطلاقا, فالهجرة ماضية إلى يوم القيامة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام, لكن نحن موضوعنا الهام في الحقيقة الذي يتعلق بالمسلمين الذين ابتلوا بالسفر من بلادهم إلى بلاد الكفر, فهذه النصوص التي ذكرتها آنفا هذه لا يمكن تأويلها بالمعنى الاصطلاحي ولا أعني تفسيرها, لا يجوز تأويلها بأنها أصبحت منسوخة, لأن هذه ليس لها علاقة بقوله عليه السلام: ( لا هجرة بعد الفتح ) هذه عكس تلك كما قدمنا آنفا, وقلنا أن هناك في الفقه الإسلامي قياس يسمى بالقياس الأولوي, فقلنا إذا كان الشارع الحكيم أمر من كان مقيما في بلاد الكفر وقد هداه الله إلى الإسلام أن يهاجر إلى بلاد الإسلام, فكيف يأذن لمن كان مسلما أبا عن جد ويعيش في بلاد إسلامية, كيف يسمح له أن يذهب إلى بلاد الكفر ويستوطنها, و ( من كثر سواد قوم فهو منهم ) , ( من جامع المشرك فهو منهم ) على أننا نحن نقول إذا لاحظنا المعنى الذي فهمناه من حديث الرجل الذي قتل مائة نفس بغير حق, وذلك العالم الحكيم الطبيب قال له: ( أنت في أرض شر فاخرج منها ) فهذه الحكمة أن يقال لمن يعيش في بلاد الفسق والفجور أن يتطلب بلدا أقل منه فسقا وفجورا فضلا أن يكون أقل منه كفرا وضلالة, وليس العكس تمام أن يقال اترك بلاد أو بلدا إسلاميا وسافر إلى بلاد الكفر.

ثم ما الذي يحمل هؤلاء الناس على السفر إلى بلاد الكفر دون بلاد الإسلام الأخرى, أنا كثيرا ما أسمع من بعض الناس أننا نحن مضطرون إلى السكن في هذه البلاد لأننا أخرجنا من ديارنا مكرهين, وهذه نحن نعرفها مع الأسف حقيقة مرة, لكن الذي نقوله لهم: لم تأمروا أن تسافروا إلى الأرض التي أنتم الآن تستوطنونها, أخرجتم من بلدكم بلد مسلم ثم اخترتم أنتم باختياركم المحض أن تقيموا في بلد كافر, إن كان أمريكا أم بريطانيا إن كان ألمانيا إن كان فرنسا أو غيرها, فإذا هذا ليس عذرا, أنا أتصور أن زيدا من الناس أخرج من داره مكرها, وأنا من هؤلاء, لكن حينما اخترت بلدا مسلما اخترته بمحض اختياري, فلماذا أولئك يختارون بلد الكفر والضلال.؟ لأن هناك المرابح المادية, إذا هم لم يسافروا هناك كما سافر بعض الضعفاء المظلومين من مكة إلى الحبشة المرة الأولى والثانية فرارا من الظلم فقط وإلى أرض فيها أمن كما جاء وصف ذلك في بعض الأحاديث, ما سافروا لأجل هذا, لأن بإمكانهم أن يجدوا هذا الأمن في بلد إسلامي, وأن يجدوا العمل الذي يعتاشون به وبرزق حلال, مثل ذلك أو قريب من ذلك, لكن الذي يجعلهم يؤثرون السفر إلى تلك البلاد هو الربح المادي, وهذه فتنة من زاوية أخرى وهي ما أشار إليه رسول الله صلى عليه وسلم في الحديث الصحيح المعروف: ( إن لكل أمة فتنة وإن فتنة أمتي المال ) ( ما الفقر أخشى عليكم إنما أخشى عليكم أن تفتح عليكم الدنيا وزهرتها ) أو كما قال عليه الصلاة والسلام, وأنا أعرف أو ألمس تأثر المسلم بالجو الكافر وبذوقه من حيث يشعر أو لا يشعر.

وقعت لي القصة التالية وفيها عبرة لكل من يعتبر, قدر لي أن سافرت إلى أوربا وبريطانيا منها, وجلست هناك أياما وزرت بعض الدعاة الإسلاميين, وكان الشهر شهر رمضان, فأنبئت بأحد الدعاة الأفاضل في قرية تبعد عن لندن نحن مائة وعشرين كيلومتر بالسيارة, فسافرنا وجلسنا على طعام الإفطار, والداعي شاب في نحو الخامسة والثلاثين أو الأربعين, وهو إما باكستاني أو هندي طبعا مسلم ويتكلم اللغة العربية ببيان واضح, ومتزي بالزي الإسلامي باللحية, لكنه يلبس الجكيت والبنطال, زيادة على الجكيت الكرفات هذه, فأنا من باب التناصح مع الرجل لا سيما وقد سمعت حوله ثناء طيبا, بدأت أتكلم بموضوع من تشبه بقوم فهو منهم وموضوع آخر يختلط أحيانا على بعض الناس بالموضوع الأول ألا وهو مخالفة المشركين, الأحاديث التي تأمر المسلم بمخالفة المشرك, فالأمر بمخالفة المشرك أهم من النهي عن التشبه بالمشرك, وهذا واضح في مثل قوله عليه السلام كما في صحيح البخاري: ( إن اليهود والنصارى لا يصبغون شعورهم فخالفوهم ) الشيب صبغة الله لا يملكه الإنسان, مفروض على المسلم والكافر على الصالح والطالح, مع ذلك قال عليه السلام: ( فخالفوهم ) أنت تشيب والكافر يشيب خالفه بأن تصبغ شعرك لحيتك, تحدثت معه في هذا الموضوع, ومن طيب نفسه أنه استجاب فورا, وهذا نادرا ما نجد مثل هذه الاستجابة السريعة ونحن على الطعام فك هيك ورماها أرضا, لكنه قال وليته ما قال, وهنا الشاهد, قال: والله أنا ما وضعت هذه الكرفيت إلا لأنه هنا الإنجليز ينظرون إلى إخواننا الفلسطينيين الذين من عادتهم كما أنت فاعل يا دكتور, قميص بدون كرفيت مفكوك الزر, فينظرون إليهم نظرة يعني إنكار أو استكراه أو ما شابه ذلك, قلت: ولهذا أنت وضعتها؟, ليتك ما قلت هذا الكلام, أنت تهم بهذه النظرة الإنجليزية لإخوانك المسلمين فتريد ألا تشاركهم في هيأتهم حتى الإنجليز يحسنون الظن بك ويظلون يسيئوا الظن بإخوانك الفلسطينيين, قصدي هذا الرجل فاضل وداعية فتأثر بالجو البريطاني الذي ينظر إلى بعض المسلمين تلك النظرة, فرأى بأن ينجو من مثلها بأن يتزيى بزيهم, هذا قليل من جل ما يتأثر به كثير من الشباب المسلم حينما يستوطنون بلاد الكفر, ولذلك أنا صار من عادتي وقد بليت وأرجو إن شاء الله أن أكون بليت بالخير بهذا الهاتف, فكل ليلة تأتيني أسئلة من مختلف البلاد حتى من هذه البلاد التي نحذر إخواننا المسلمين منها, في الأمس القريب لا أدري من كان هنا من إخواننا, واحد اتصل من بلبد نسيت اسمه والله نادرا ما يتصلون من هناك, يقول لي أن أكلمك من أمريكا أنا من بريطانيا أنا من هنغاريا أنا من ألمانيا إلى آخره, أقول له: أرجو الله أن ينجيك فورا من بلاد الكفر, هنا يصير فيه حديث مع كثيرين منهم, بعضهم والله وهذا من فضل الله علينا وعلى الناس, يقولون والله نحن سمعنا أشرطتك واقتنعنا ولمسنا ضرر الإقامة في هذه البلاد لكن الخلاص منها ليس بالأمر السهل ويحتاج إلى استعدادت, أحدهم راجعني ثلاث مرات بواسطة الهاتف, يقول: أنا عليّ ديون كذا ألف, ما أدري قال دينار أو قال شيء آخر, وأنا الآن ما أستطيع أن أرجع إلى بلدي وإلا أسجن حتى أجمع هذا المال وأستطيع أن أخلص ذمتي منهذا الكلام, فالشاهد الدين النصيحة, الدين النصيحة, الدين النصيحة, لا يجوز للمسلم أن يدع بلده المسلم, وأنا أعني بالبلد المسلم باللغة الشرعية وليس باللغة الإقليمية, أي بلاد الإسلام كلها, ولكن أنا أعرف مع الأسف الشديد أن الكثير منها لا يستطيع المسلم أن يدخلها, وإذا استطاع دخولها فهو لا يستطيع الإقامة فيها, أنا أعرف هذا, لكن ليست كلها بمثابة واحدة من حيث التضييق, ولذلك فأنا من باب الدين النصيحة ألح على هؤلاء المسلمين الذين استوطنوا في بلاد الكفر أن يعودوا إلى بلاد الإسلام بأي طريقة كانت, فقر صبر هذا هو يعني الأمر الطبيعي بالنسبة للمسلم (( ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين *** الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون *** أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون )) لكن أنا أقول مشكلة المسلمين اليوم أنهم يفقدون ركيزتين هامتين جدا نحن دائما ندندن حولهما, التصفية والتربية, تصفية الإسلام مما دخل فيه مما هو غريب عنه, والتربية على هذا الأساس, اليوم تربية على الحياة الضنكة والعيشة الفقر أكثر الناس لا يعرفونهما, لذلك يسوغون لأنفسهم أن يهاجروا إلى بلاد الكفر من أجل الحصول على المال ثم يعللون لأنفسهم بأنهم سيعدون يوما ما إلى بلادهم بعد أن يكونوا جاؤوا بالمال, هل كان السلف الصالح هكذا أم صبروا صبر أيوب عليه السلام حتى فتح الله عليهم البلاد.

ويعجبني بهذه المناسبة أن أبا هريرة الذي كان من أهل الصفة ينام في المسجد ليس له مأوى ليس له زوجة, فيما بعد تزوج امرأة, في له قصة بديعة ما أحدكم منكم يذكرها, لعله كان يخدمها أو شيء من هذا ثم صارت زوجته, مش هذا المهم, صار أميرا في بلد ما, طلع المنديل وصار يتنخم فيه, فقال: "كخ كخ أبو هريرة يتنخع في المنديل" نظر إلى وضعه والوضع السابق, الله أكبر, لكن الحقيقة أن الصبر هو مفتاح الفرج, لكن المسلمين بحاجة إلى تربية, ولذلك الذين يهاجرون إلى تلك البلاد إما أن يكون فيهم نقص في فهمهم للإسلام, وهذا غالب على الناس, أو فيهم نقص تربية إسلامية صحيحة وهذا أغلب على الناس, ولذلك فنحن ننصح بأن يعودوا إلى بلدهم ... .

مواضيع متعلقة