حكم السلام على المصلي ، والسنة في كيفية ردِّها حال الصلاة . - صوتيات وتفريغات الإمام الألباني
حكم السلام على المصلي ، والسنة في كيفية ردِّها حال الصلاة .
A-
A=
A+
الشيخ : فمثلًا السلام على المصلي ، الذين يذهبون إلى كراهة هذا الإلقاء ليس لهم دليل منصوص عليه في السنة فضلًا عن الكتاب ، وإنما يستدلون على ذلك بالفهم والرأي ، وكلُّ ذلك معرَّض للخطأ ، بينما هناك أحاديث صحيحة ثابتة عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه أُلقِيَ - عليه السلام - وهو يصلي غير ما مرَّة ، وأنه رَدَّ السلام المُلقى عليه دون أن ينكر ذلك ولا مرة ، فهناك - مثلًا - في " صحيح مسلم " حديث جابر بن عبد الله الأنصاري - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أرسَلَه لحاجة له ، فلما رَجَعَ جابر لَقِيَ النبي - عليه السلام - يصلي ، فألقى عليه السلام ، فرَدَّ - عليه السلام - إشارةً برأسه .

وهناك حديث مثل هذا الحديث وفيه فائدة أخرى لا بأس من أن تسمعوها ؛ ذلك هو حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - ، وكان من الصحابة الذين هاجروا إلى الحبشة ، وغاب عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ما غاب من المدة ، فلما رجع كان أول ما لَقِيَ النبي - صلى الله عليه وسلم - لَقِيَه وهو يصلي ، فألقى عليه السلامَ ؛ فما رد - عليه السلام - ؛ يعني لفظًا ، وإنما - أيضًا - إشارة برأسه ، قال ابن مسعود : فأخذني ما قَرُبَ وما بَعُدَ ؛ يعني أخذ ابن مسعود يفكِّر من قريب ومن بعيد ، تُرى لماذا لم يردَّ عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سلامَه وعهدُه به قبل أن يسافر إلى الحبشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يردُّ السلام في الصلاة باللفظ ، كان في أول الإسلام إذا سُلِّم على المصلي فرَدَّ السلام باللفظ وهو يصلي ، كان هذا أمرًا جائزًا ، وعلى هذا فارَقَ ابنُ مسعود النبيَّ - صلى الله عليه وآله وسلم - إلى الحبشة ؛ لذلك داخَلَه شيء في نفسه حينما لم يُقابِلْه الرسول - عليه السلام - بالسلام الذي كان يعهده منه ؛ أي : باللفظ ، فأخذ يفكِّر لعله أخطأ مع الرسول - عليه السلام - فغضب منه ، فلما سلم - عليه الصلاة والسلام - من الصلاة ولا شك أنه عَلِمَ إما بكياسته - عليه السلام - أو بوحي ربه ما حدَّثَتْ ابن مسعود نفسه ، فقال له مجيبًا بما ساوَرَتْه نفسه قال : ( إن الله - عز وجل - يُحدِثَ في أمره ما يشاء ، وإن ممَّا أحدث أن لا كلام في الصلاة ) . فإذا المصلي سلَّم عليه رجل فردَّ عليه السلامَ ففي ... فهذا رُفع ، كان من قبل جائزًا ثم رُفع ؛ حينئذٍ طابَتْ نفسُ ابن مسعود ، وعرف أنه لم يكن هناك شيء يتعلَّق به ، وإنما هو شرع الله - عز وجل - ينزل كما تقتضيه حكمة الله - عز وجل - . ففي هذا الحديث - أيضًا - إقرار الرسول - عليه السلام - إلقاء السلام عليه وهو يصلي مع إلغائه لردِّ السلام من المصلِّي على مَن سلَّمَ عليه وقد كان من قبل مشروعًا .

كذلك - مثلًا - جاء في " سنن أبي داود " من حديث عبد الله بن عمر أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - زار الأنصار في قباء في مسجدهم ، فأخذوا يتوافدونَ عليه ، فكانوا يلقَونه في الصلاة ، فكانوا يُلقون عليه السلامَ ، فيردُّ السلام عليهم إشارةً بيده ، وقد وصف أحدُ رواة هذا الحديث هذه الإشارة ، فقال : جعلَ بطنَ كفِّه إلى الأرض وظهرَها إلى السماء - عليه الصلاة والسلام - وهو يصلي ، فيقول له الداخل عليه في المسجد : السلام عليك يا رسول الله ؛ فما يكون منه إلا أن يفعل هكذا ، السلام عليك يرفع يده هكذا ، بطن الكفِّ إلى الأرض وظهرها إلى السماء .

إذًا نأخذ من هذه الأحاديث - وهي بحمد الله كلها صحيحة - أمرين اثنين : الأول : جواز إلقاء السلام على المصلي . الأمر الثاني : وجوب ردِّ السلام إشارةً باليد أو بالرأس . وهذا - أي : تنويع الرسول عليه السلام الإشارة باليد أو بالرأس - فيه حكمة ؛ ذلك أن الإيماء بالرأس بلا شك أوفق من حيث أنه حركة من رفع اليد هكذا ، المصلي حينما يسمع السلام إنسان يشعر بأنه يقوم بالإشارة بالرأس مقام الإشارة باليد يستغني بذلك ؛ لأن الصلاة مبنيَّة على الاطمئنان وعلى الهدوء والسكون ؛ ولذلك فلا يجوز العبث في الصلاة والإتيان فيها بحركات لم يشرَعْها الله - عز وجل - على لسان نبيِّه - صلى الله عليه وآله وسلم - .

وقد كان من عادة بعض الصحابة في أول الإسلام أنهم كانوا إذا خرجوا من الصلاة بالتسليم ألوَوْا بأيديهم هكذا السلام عليكم ورحمة الله ، السلام عليكم ورحمة الله ، فقال لهم - عليه الصلاة والسلام - : ( ما لي أرى أيديكم كأنها أذناب خيل شُمْس ؟! ) الخيل الشمس يعني ... النفران تلعب بذيلها ، فهو يشبِّه هذه الأيادي حينما تُرفع بذنب الخيل حينما ترفعها وهي ... هذا معناه إنكار هذا الفعل ، وأكَّدَ ذلك بقوله : ( اسكنوا في الصلاة ) ؛ لذلك فالأصل أن المصلِّي لا يأتي بحركة إما إلا بحاجة أو لشرع كما نحن الآن في صدده ، فهذا يُسلَّم عليه وليس حولك مصلون مثلًا ، فمجرَّد أن تعمل هكذا يفهم عليك انتهى الأمر ؛ لا ، أنت بين جماعة لا يظهر ردُّك للسلام بالإيماء بالرأس فحينئذٍ ترفع يدك ، ويكون الرفع - أيضًا - بالمقدار الذي يحقِّق الغاية من الرفع ؛ ألا وهو إفهام المسلِّم بأنه قد تلقَّى سلامه وأنه ردَّه عليه .

مواضيع متعلقة