كلمة الشيخ الألباني عن أهمية التوكل في طلب الرزق والتحذير من التواكل ، وبيان أن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل على الله - تعالى - . - صوتيات وتفريغات الإمام الألباني
كلمة الشيخ الألباني عن أهمية التوكل في طلب الرزق والتحذير من التواكل ، وبيان أن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل على الله - تعالى - .
A-
A=
A+
الشيخ : ... وغيره ، خاصَّة ونحن نتوصَّى به خيرًا الآن - إن شاء الله - .

ففي حديث كعب بن عجرة - رضي الله عنه - أنَّ الصحابة كانوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يومًا حينما مرَّ عليهم شابٌّ جلدٌ قويٌّ ، فقالوا : لو كان هذا في سبيل الله ، يعني هذا الشباب وهذه الفتوَّة وهذه القوَّة لو كان يصرف ذلك هذا الإنسان في الجهاد في سبيل الله ، فقال - عليه الصلاة والسلام - : ( إن كان هذا خرج يضرب في الأرض يسعى على أبوين شيخين كبيرين له فهو في سبيل الله ، وإن كان خرج يسعى على أطفالٍ له فهو في سبيل الله ، وإن كان خرج يسعى ليُعِفَّ نفسه فهو في سبيل الله ) . فإذًا هذا الحديث يأمرنا في الواقع بشيئين اثنين ، الشيء الأول وهو نصُّ الحديث أن لا ننسى ربنا - تبارك وتعالى - وراء الاعتماد على الأسباب ، هذه ناحية مهمَّة جدًّا ؛ وهي الناحية التي ابتُلِيَ بها الكفار كلهم ، الكفار الماديون الذين يعتمدون على الأخذ بالأسباب المادية دون أن يلجؤوا - مع الأخذ بالأسباب المادية - دون أن يلجؤوا إلى الله - تبارك وتعالى - خالق الأسباب .

فهذا الحديث يريد أن يربِطَ قلب المؤمن بربِّه ، فأنت إذا خرجت صباحًا إلى عملك إلى متجرك إلى وظيفتك فينبغي أن لا تنسى ربَّك الذي هو سخَّر لك هذه الأسباب فأخذْتَ أنت بها إجابةً لربِّك الذي أمرك بالضَّرب في الأرض ، واعتبر هذا الضرب من سبيل الله - عز وجل - كما سمعتم .

فإذًا المسلم يجب ألَّا يطغى عليه جانب على جانب ؛ أي : لا يطغى عليه توجُّهه وتضرُّعه إلى الله في أن يرزقه وأن يُطعمه لا يطغى عليه هذه الناحية التعبُّدية المحضة على الأخذ بأسباب الرزق ، فلا يأخذ بالأسباب اعتمادًا على ربِّ الأرباب في زعمه ، لا ، وإنما يجمع بين الأمرين ، وكذلك ينبغي أن لا يقعَ المسلم في العكس من ذلك كما هو شأن الكفار ومَن سار سيرَهم من الفجَّار من المسلمين ؛ فلا يسعى معتمدًا على سعيه فقط دون أن يربط هذا السَّعي بتوفيق الله - عز وجل - تجاهه ورزقه إياه . فيجب على المسلم أن يجمعَ بين الأمرين ، بين التوجُّه إلى الله بأن يرزقه وأن يُطعمه وبين الأخذ بالأسباب التي جعلَها الله - عز وجل - في الأرض سببًا للرِّزق ، من فعل ذلك كان مسلمًا حقًّا ، فإذا ما طغى جانب من هذَين الجانبين أو ناحية من هاتَين الناحتين على الأخرى كان منحرفًا عن الحقيقة الشرعية الإسلامية .

مَن ترك الأخذ بأسباب الرزق معتمدًا على طلب الرزق من الله فقد ترك الأخذ بالأسباب ، وتطبيق مثل نص قوله - عز وجل - : (( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُم الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا )) ، ومن مشى في مناكبها ولم يتوجَّه إلى الله - عز وجل - مع ذلك سائلًا إيَّاه أن يطعمه وأن يرزقه فشأنه هذا شأن الكافر الذي لا يُحقِّق هذا النَّصَّ : ( كلكم جائعٌ إلا من أطعمته ؛ فاستطعموني أطعِمْكم ) ؛ إذًا بتعبيرٍ آخر : يجب أن لا نكون مادِّيِّين نعتمد على الأسباب فقط دون أن نذكر مُقدِّرها رب الأرباب ، وأن لا نكون صوفيِّين يعتمدون فقط على العبادة ، ومن ذلك الدعاء ، ولا نأخذ بالأسباب التي خلقها الله وجعلها أسبابًا للرزق ولأن يُطعمنا ربنا - تبارك وتعالى - .

وإنما الحقُّ (( وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا )) ، لا هو صوفي يترك الأخذ بالأسباب ، ولا هو مادي يعتمد على الأسباب دون ربِّ الأرباب ، وإنما هو يجمع بين الأمرَين يأخذ بالأسباب التي شَرَعَها الله ، وأيضًا يتوجَّه بقلبه إلى الله - تبارك وتعالى - يقول له : " رب ارزقني " ؛ لأنه يقول : ( فاستطعموني أطعِمْكم ) ؛ أي : اطلبوا ما عندي من رزق أرزقكم ، ولذلك كان من أدعية الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - كما يعلم الكثيرون منكم أنه كان يدعو بين السجدتين فيقول : ( رب اغفر لي ، وارحمني ، واجبرني ، وارفعني ، وعافني ، واهدني ، وارزقني ) ، فلماذا دعا رسول الله ربَّه أن يرزقه مع أنَّه قال : (( وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ )) ؟ مع أنه جاء في حديث ابن مسعود أن الملك يأتي إلى الجنين في الشهر الرابع فيسأل ربَّه عن عمره عن رزقه عن سعادته وشقاوته ، فيُؤمر بأن يكتب رزقه وعمره وسعادته ؟

إذًا الرزق مكتوبٌ ، والسعادة أو الشقاوة مقطوعة ، والعمر محدود ؛ فهل لا نأخذ بأسباب السعادة ؟ وهل لا نأخذ بأسباب طول العمر ؟ وهل لا نأخذ بأسباب الرزق الطيب ؟ الجواب : يجب أن نأخذ بذلك لأنها سنَّة الله في خلقه ، (( وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا )) .

مواضيع متعلقة