ما حكم هذه المظاهرات من قبل الشَّباب والشَّابَّات ؛ حيث يخرجون إلى الشوارع مستنكرين لبعض الأفعال التي يفعلها الطَّواغيت ، أو لبعض ما يأمر به هؤلاء الطواغيت ، أو ما يطالب به غيرُهم من الأحزاب الأخرى السياسية المعارضة ؛ فما حكم هذا العمل في شرع الله - تعالى - ؟ - صوتيات وتفريغات الإمام الألباني
ما حكم هذه المظاهرات من قبل الشَّباب والشَّابَّات ؛ حيث يخرجون إلى الشوارع مستنكرين لبعض الأفعال التي يفعلها الطَّواغيت ، أو لبعض ما يأمر به هؤلاء الطواغيت ، أو ما يطالب به غيرُهم من الأحزاب الأخرى السياسية المعارضة ؛ فما حكم هذا العمل في شرع الله - تعالى - ؟
A-
A=
A+
الشيخ : إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ، (( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون )) ، (( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا )) ، (( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا )) ، أما بعد :

فإن من الوسائل التي شرعها الله - تبارك وتعالى - في كتابه وفي سنة نبيه - صلى الله عليه وآله وسلم - لتلقِّي العلم هو ما جاء في قوله - تعالى - : (( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون )) ، وعلى هذا فنقول : اسألوا ، وليكن توجيه أسئلتكم لا فوضى فيها ولا خلط ولا غوغاء ولا ضوضاء ، وإنما برفع اليد إشارة للاستئذان ، ولنبدأ بمن عن اليمين ، تفضَّل .

السائل : ... بسم الله الرحمن الرحيم ، إن الحمد لله نحمده ، ونستعينه ونستغفره ونستهديه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهد الله فهو المهتد ، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا ، أما بعد :

فضيلة الشيخ ، عندي بعض الأسئلة مهمة جدًّا ، وهي تخصُّ بعض الشباب ، فهذه الأسئلة ، وأستسمح من إخوتي الكرام لأنها مهمة جدًّا للأمة أن أُلقيها على فضيلتكم ، وهي : أولًا ما حكم هذه المظاهرات ؟ مثلًا يتجمَّع كثير من الشباب أو الشابات ، ثم يخرجون إلى .

الشيخ : والشابات - أيضًا - ؟

السائل : نعم .

الشيخ : ما شاء الله !

السائل : نعم ، قد حدث هذا ؛ يخرجون إلى الشوارع مستنكرين لبعض الأفعال التي يفعلها الطواغيت ، أو لبعض ما يأمر به هؤلاء الطواغيت ، أو ما يطالب به غيرُهم من الأحزاب الأخرى السياسية المعارضة ؛ فما حكم هذا العمل في شرع الله ؟

الشيخ : أقول - وبالله التوفيق - : الجواب عن هذا السؤال يدخل في قاعدة ؛ ألا وهي قوله - عليه الصلاة والسلام - في الحديث الذي أخرجه أبو داود في " سننه " من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - ، أو من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - - الشك منِّي الآن - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - : ( بُعثت بين يدي الساعة بالسيف ؛ حتى يُعبدَ الله وحده لا شريك له ، وجُعل رزقي تحت ظلِّ رمحي ، وجُعل الذُّلُّ والصَّغار على من خالف أمري ، ومن تشبَّه بقوم ؛ فهو منهم ) ، الشاهد من هذا الحديث قوله - صلى الله عليه وآله وسلم - : ( ومن تشبَّه بقوم ؛ فهو منهم ) ، فتشبُّه المسلم بالكافر لا يجوز في الإسلام ، وهذا التشبه له مراتب من حيث الحكم ؛ ابتداءً من التحريم وأنت نازل إلى الكراهة ، وقد فصَّل القولَ في ذلك شيخُ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في كتابه العظيم المسمَّى بـ " اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم " تفصيلًا لا نجده عند غيره - رحمه الله - .

وأريد أن أنبِّه إلى شيء آخر ينبغي على طلَّاب العلم أن ينتبهوا له ، وأن لا يظنُّوا أن التشبيه هو فقط المنهي في الشرع ؛ فهناك شيء آخر أدقُّ منه ؛ ألا وهو مخالفة الكفار ، التشبه بالكفار أن تفعل فعلَهم ، أما مُخالفة الكفار فأن تتقصَّد مخالفتهم فيما يفعلونه ؛ حتى لو كان هذا الفعل الصَّادر منهم فعلًا لا يملكون التصرف فيه ، بخلاف ما فُرض عليهم فرضًا كونيًّا ؛ كمثل الشَّيب الذي هو سنَّة كونية لا يختلف فيه المسلم عن الكافر ؛ لأنه ليس في طَوعهم ولا في إرادتهم ، وإنما هي سنَّة الله - تبارك وتعالى - في البشر ؛ (( ولن تجد لسنة الله تبديلًا )) ، ومع ذلك فقد صحَّ عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه قال : ( إن اليهود والنصارى لا يصبغون شعورهم ؛ فخالفوهم ) ، فقد يشترك المسلم مع الكافر في شَيبه وهو مفروض عليهما لا فرق ، فلا تجد مسلمًا لا يشيب إلا ما ندر جدًّا ، كما أنك لا تجد كذلك كافرًا من باب أولى ، فيصبح هنا اشتراك في المظهر بين المسلم وبين الكافر في أمرٍ لا يملكانه كما قلنا آنفًا ، فأمَرَنا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أن نتقصَّد مخالفة المشركين في أن نصبغَ شعورنا ؛ سواء كان هذا الشعر لحية أو شعر رأس ؛ لماذا ؟ لِيظهرَ الفرق بين المسلم وبين الكافر ، فما بالكم إذا كان الكافر يتكلَّف عمل شيء ثم يأتي بعض المسلمين فيفعلون فعلهم ، ويتأثَّرون بأعمالهم ، هذا أشدُّ وأنكى من المخالفة ؛ لذلك أردتُ التَّنبيه قبل أن أمضي فيما أنا في صدده من بيان الجواب الذي وُجِّه السؤال عنه .

فإذا عرفتم الفرق بين التشبُّه وبين المخالفة حينئذٍ فالمسلم الصادق في إسلامه يحاول دائمًا وأبدًا ليس أن يتشبَّه بالكافر ؛ وإنما يتقصَّد مخالفة الكافر ، ومن هنا نحن سننَّا وضعَ الساعة في اليد ؛ لأن العادة الكافرة وهم الذين اخترعوا هذه الساعة فإنما يضعونها في يسراهم ، وهذا مما استنبطناه من قوله - عليه السلام - : ( فخالفوهم ) ، عرفتم هذا الحديث ( إن اليهود والنصارى لا يصبغون شعورهم ؛ فخالفوهم ) ، فكما يقول شيخ الإسلام - رحمه الله - في ذاك الكتاب فقوله - عليه السلام - : ( فخالفوهم ) جملة تعليلية تُشير إلى أنَّ مخالفة الكفار مقصود للشارع الحكيم حيثما تحقَّقت هذه المخالفة ، ولذلك نجد لها تطبيقًا في بعض الأحكام الأخرى ؛ ولو أنها ليست في حكم الوجوب ؛ كمثل قوله - عليه الصلاة والسلام - : ( صلُّوا في نعالكم ، وخالفوا اليهود ) ، علمًا بأن الصلاة في النعال ليست فرضًا ؛ بخلاف اعفاء اللحية ، فهو فرضٌ يأثم حالقها ، أما الصلاة منتعِلًا فهو أمر مستحبٌّ ، إذا ثابر المسلم وواظب على إقامة الصلاة دائمًا وأبدًا حافيًا غيرَ منتعل ؛ فقد خالف السنة ، ولم يخالف اليهود المتنطِّعين في دينهم ، وقد جاء في بعض المعاجم من كتب السنة أن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - كان في جمع فأقيمت الصلاة ، وكان فيهم صاحبه أبو موسى الأشعري - رضي الله عنهما - ، فقدَّمه لِيُصلي بالناس إمامًا لعلم ابن مسعود أولًا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مُعجبًا بقراءة أبي موسى هذا - رضي الله عنه - حيث قال له ذات يوم : ( لقد مررتُ بك البارحة يا أبا موسى ؛ فاستمعتُ لقراءتك ) ، فقال - عليه الصلاة والسلام - : ( لقد أُوتي هذا مزمارًا من مزامير داود - عليه السلام - ) ، لما سمع هذا الثناءَ أبو موسى من النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال : " يا رسول الله ، لو علمت ذلك لحبَّرته لك تحبيرًا " ، لما يعلم ابن مسعود من رضا النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - عن قراءة أبي موسى قدَّمه إمامًا ، مع أن ابن مسعود ليس دون أبي موسى فضلًا في القراءة ، بل لعله أعلى وأسمى منه في ذلك ، وقد قال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فيه : ( من أحبَّ أن يقرأ القرآن غضًّا طريًّا كما أنزل ؛ فليقرأه على قراءة ابن أمِّ عبد ) ، مع ذلك وهذا في الواقع يعطينا درسًا عمليًّا - نحن المسلمين - في آخر الزمان ؛ حيث قد نجد صحوةً علميَّة ، ولكننا - مع الأسف - لا نجد معها صحوةً سلوكيَّةً أخلاقيَّة ، فلا تؤاخذوني إذا قلت لكم : إنني أشعر أنكم حينما تدخلون في هذا المكان تتزاحمون وتتنافرون ، وهذا ليس من الأخلاق الإسلامية ، فيجب أن نمثِّل الصحوة في جانبيها ؛ في العلم ، وفي السلوك والأخلاق .

الشاهد أن ابن مسعود - فيما نرى نحن - هو أقرأ من أبي موسى ، ومع ذلك تواضعَ مع صاحبه وآثره فقدَّمه ليصلِّي به وبالناس الحاضرين إمامًا ، فتقدَّم أبو موسى - رضي الله عنه - وكان - الشاهد - وكان منتعلًا ، فخلع نعليه ، فقال ابن مسعود له مستنكرًا أشدَّ الاستنكار : " ما هذه اليهوديَّة ؟ أفي الوادي المقدَّس أنت ؟ " ؛ يشير إلى قوله - عليه السلام - : ( صلُّوا في نعالكم ، وخالفوا اليهود ) ، إذا عرفتم هاتين الحقيقتين النهي عن التشبه من جهة ، والحضُّ على مخالفة المشركين من جهة أخرى ؛ حينذاك وجبَ علينا أن نجتنبَ كلَّ مظاهر الشرك والكفر مهما كان نوعها ؛ ما دام أنها تمثِّل تقليدًا لهم ، ولكي نتحاشى أن يسبقَ علينا - نحن معشر المنتمين إلى العمل بالكتاب والسنة - قوله - عليه الصلاة والسلام - : ( لتتبعنَّ سننَ من قبلكم ؛ شبرًا بشبر ، وذراعًا بذراع ؛ حتى لو سلكوا أو لو دخلوا جحر ضبٍّ لَدخلتموه ) ، هذا خبر من النبيِّ - صلى الله عليه وآله وسلم - يتضمَّن تحذيرًا ، وذلك لأنَّ هذه الأمة قال - عليه الصلاة والسلام - في الحديث الصحيح ، بل الحديث المتواتر : ( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحقِّ ؛ لا يضرُّهم من خالفهم حتى تقوم الساعة ) ، وفي رواية : ( حتى يأتيَ أمر الله ) ؛ إذًا قد بشَّرنا الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - في هذا الحديث الصحيح بأنَّ الأمة لا تزالُ في خير ، فحينما يأتي ذلك الإخبار الخطير - ( لتتبعنَّ سنن من كان قبلكم ) - ؛ فلا يعني أن كلَّ فرد من أفراد الأمة ستتبع سنن الكفار ، وإنما سيكون ذلك في هذه الأمة ، فحينما يقول : ( لتتبعنَّ ) فهو بمعنى التحذير ؛ أي : إياكم أن تتبعوا سنن من قبلكم ؛ فإنه سيكون فيكم مَن يفعل ذلك ، وقد جاء في رواية أخرى خارج " الصحيحين " - وهي ثابتة عندي - يمثِّل الرسول فيها تقليدًا للكفار إلى درجة خطيرة لا يكاد الإنسان يصدِّق بها إلا إذا كان مؤمنًا خالصًا ، ثم الواقع يؤكد ذلك قال - عليه السلام - في تلك الرواية : ( حتى لو كان فيهم من يأتي أمَّه على قارعة الطريق لَكان فيكم من يفعل ذلك ) ، ( حتى لو كان فيهم من يأتي أمه ) يزني بأمِّه وليس ساترًا على نفسه ، وعلى أمه ، بل على مرأى من الناس وعلى قارعة الطريق لَكان فيكم من يفعل ذلك .

التاريخ العصري اليوم يؤكِّد أنما نبَّأنا النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - من اتباع بعض هذه الأمة لسنن من قبلنا قد تحقَّق إلى مدى بعيد وبعيد جدًّا ، وإن كنت أعتقد أن لهذا التتبُّع بقية ، فقد جاء في بعض الأحاديث الثابتة أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال : ( لا تقوم الساعة حتى يتسافدَ الناس على الطرقات تسافُدَ الحمير ) ، وهو الفاحشة ، ( على الطرقات كما تتسافد الحمير ) ، هذا هو منتهى التشبه بالكفار .

إذا علمتم النهي عن التشبه والأمر بالمخالفة نعود الآن هذه التظاهرات التي كنَّا نراها بأعيننا في زمن فرنسا وهي محتلة لسورية ، ونسمع عنها في بلاد أخرى ، وهذا ما سمعناه الآن في الجزائر ، لكن الجزائر فاقَتِ البلادَ الأخرى ، فاقت البلاد الأخرى في هذه الضَّلالة وفي هذه التشبه ؛ لأننا ما كنا نرى الشَّابَّات - أيضًا - يشتركْنَ في التظاهرات ، فهذا تمام التشبه بالكفار والكافرات ؛ لأننا نرى في الصور - أحيانًا - وفي الأخبار التي تذاع في التلفاز والراديو ونحو ذلك خروج الألوف المؤلفة من الكفار ؛ سواء كانوا أوربيِّين أو صينيِّين أو نحو ذلك ؛ بيقولوا في التعبير الشامي - وسيعجبكم هذا التعبير - : " يخرجون نساءً ورجالًا خليط مليط " ، هكذا يقولون عندنا : " خليط مليط " يتزاحمون الكتف في الكتف ، وربما العجيزة في القُبُل !! ونحو ذلك ، هذا هو تمام التشبه بالكفار أن تخرج الفتيات مع الفتيان يتظاهرون !

أنا أقول شيئًا آخر : بالإضافة إلى أن هذا التظاهر ظاهرة فيها تقليد للكفار في أساليب استنكارهم لبعض القوانين التي تُفرض عليهم من حكَّامهم ، أو إظهارًا منهم لرضا بعض تلك الأحكام أو القرارات ، أضيف إلى ذلك شيئًا آخر ؛ ألا وهو : هذه التظاهرات الأوروبية ثم التقليدية من المسلمين ليست وسيلةً شرعيَّةً لإصلاح الحكم ، وبالتالي لإصلاح المجتمع ، ومن هنا يُخطئ كلُّ الجماعات وكل الأحزاب الإسلامية الذين لا يسلكون مسلك النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - في تغيير المجتمع ، لا يكون تغيير المجتمع بالنِّظام الإسلامي بالهتافات وبالصيحات وبالتظاهرات ، وإنما يكون ذلك على الصَّمت وعلى بثِّ العلم بين المسلمين وتربيتهم على هذا الإسلام ؛ حتى تُؤتي هذه التربية أكلها ولو بعد زمن بعيد ، فالوسائل التربوية في الشريعة الإسلامية تختلف كل الاختلاف عن الوسائل التربوية عن في الدول الكافرة .

بهذا أقول باختصار : إن التظاهرات التي تقع في بعض البلاد الإسلامية أصلًا هذا خروجٌ عن طريق المسلمين وتشبُّه بالكافرين ، وقد قال ربُّ العالمين : (( ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبيَّن له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين )) - في كلِّ شيء - (( نولِّه ما تولَّى ونصله جهنم وساءت مصيرًا )) .
  • فتاوى جدة - شريط : 12
  • توقيت الفهرسة : 00:00:35
  • نسخة مدققة إملائيًّا

مواضيع متعلقة