هل يعتبر القياس مصدر من مصادر التشريع ؟ - صوتيات وتفريغات الإمام الألباني
هل يعتبر القياس مصدر من مصادر التشريع ؟
A-
A=
A+
السائل : شيخ ، من مصادر التشريع هل تعتبر القياس مصدر من مصادر التشريع ؟

الشيخ : إي نعم .

السائل : يعني بدنا شيء من التفصيل شيخنا .

الشيخ : القياس من مصادر التشريع لكن الناس وبالطبع أعني خاصة الناس هم على طرفي نقيض ، فمنهم من ينكر القياس أصلًا كأهل الظاهر ، ومنهم من يقر القياس وهم جماهير العلماء ، هؤلاء المقرون للقياس انقسموا إلى قسمين : قسم يحتج بالقياس في حدود الضرورة والحاجة ، قسم آخر يتوسع في القياس إلى درجة أنه قد يؤثره في بعض الأحيان على النص ، ولا شك أن القول الوسط ذكرًا هو القول الوسط تبنيًا ، أي : الذي ينكر القياس فهذا إنسان لا يعتد بالنظر السليم الذي لفت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - النظر إليه في غير ما حديث ، من ذلك مثلًا قوله - عليه السلام - حينما ذكر ( إنَّ لكم في كل تسبيحة صدقة ، وفي كل تحميدة صدقة ، وفي كل تكبيرة صدقة ، وفي بضع أحدكم صدقة ) . قالوا : يا رسول الله ، أيأتي أحدنا شهوته وله على ذلك أجر ؟ قال : ( أرأيت إن وضعها في الحرام أليس يكون عليه وزر ؟ ) . قالوا : نعم . قال : ( فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له عليها أجر ) . نحن نلاحظ هنا عبارة صدرت من الرسول - عليه السلام - وهي قوله : ( أرأيت ) بينما نجد حينما يتناقش المنكرون للقياس مع المقرين به يسمون المقرين به بالآرائيين لأنهم يقولون أرأيت كذا أرأيت كذا ، والحقيقة أن الرسول - عليه السلام - في هذا الحديث هو الذي سَنَّ كلمة أرأيت ، لكن خطأ أولئك القياسيين أنهم يتوسعون في استعمال القياس حيث لا ملجئ ولا ضرورة إليه ، ولذلك أعجبني ما قال الأئمة أبتدئ بالإمام الشافعي يقول : " القياس ضرورة حيث اضطررنا إلى استعمال القياس قلنا به وإلا فلا " فالطرف الآخر اللي يشارك الإمام الشافعي في القول بالقياس لا يقف عند وجود الضرورة وإنما يتوسَّع في ذلك ، وكما قلت أحيانًا حتى في حدود ما يخالف النص ، فقول الرسول - عليه السلام - في الحديث السابق : ( أرأيت ) رد على أهل الظاهر الذين ينكرون القياس ، هذا الرسول - عليه السلام - يقابل بين إتيان الحرام وإتيان الحلال ، ثم كما يذكر ابن القيم - رحمه الله - في كتابه " إعلام الموقعين عن رب العالمين " أن الله - عز وجل - كثيرًا ما يذكر بعض الحوادث وبعض القصص التي وقعت في الأمم السابقة ثم يعقِّب عليها ربُّنا - عز وجل - بقوله : (( فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ )) هذا معناها حض على الاعتبار وهو القياس أن تقيس النظير على النظير والمثيل على المثيل إذن القول الوسط هو قول الإمام الشافعي لا قول الظاهرية الذين ينكرون القياس ولا قول الآرائيين الذين يتوسعون بالقياس .مثلًا نحن قرأنا حينما درسنا منهجنا الذي نشأنا عليه في إبان طلبنا للعلم وهو المذهب الحنفي ، قرأنا في كتب الأحناف من مبطلات الصلاة الكلام في الصلاة ولو خطأ لما بتراجع النص في مبسوطات كتب الفقه والموسعات منها أي التي لا تقف فقط عند مجرد الدعوى بل هي تقرن الدليل مع الدعوى ، قالوا : تبطل الصلاة بالكلام ولو خطأ قياسًا على المتعمد ، لهون مصل القياس ! قياس النقيض على النقيض هذا أولًا ، يعني يظهر بطلان هذا القياس لأنه فيه قياس النقيض على النقيض .وثانيًا : لقد وقعت في غير ما قصة في عهد الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقعت في هذه القصص كلام خطأ وما أمر - عليه الصلاة والسلام - أن المخطئ في صلاته والمتكلم خطأ بإعادة الصلاة ، من أشهر هذه القصص قصة معاوية بن الحكم السلمي الذي شمت رجلًا وكلاهما يصلي خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما عطس من بجانبه قال له : يرحمك الله ، أما الذي كانوا عن جانبيه فكانوا فقهاء يعلمون أن يرحمك الله يهديكم الله ويصلح بالكم هذا كلام يصلح خارج الصلاة ، ولذلك ما كان من الذين كانوا حوله إلا أن سكتوه ليس بالكلام لأنهم يعلمون أن الكلام لا يجوز ، لكن تسكيتًا له بالضرب على أفخاذهم كأنهم يقولون له بلسان الحركة وليس بلسان اللسان اسكت ، فماذا كان موقف الرجل ؟ ضاق ذرعًا من مثل هذا الإنكار بالضرب على الأفخاذ فرفع صوته وقال : " واثكل أمياه ! ما لكم تنظرون إليَّ ؟! " الحديث طويل معروف لدى الجميع ، وإنما في الأخير عرف الرجل أنه أخطأ في الصلاة خطأ فاحشًا وبناءً على ذلك تصوَّر أنه سيلقى من النبي - صلى الله عليه وسلم - من الكلام عنتًا ؛ ولذلك صور منها كيف كان موقف الرسول في جانبه لطيفًا حيث قال : " فلما قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصلاة أقبل إليَّ ؛ فوالله ما كَهَرَني ولا قَهَرَني ولا ضَرَبَني ولا شَتَمَني ، وإنما قال لي : ( إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ، إنما هي التسبيح ، والتكبير ، والتحميد ، وتلاوة القرآن ) . فإذًا القياس حقٌّ ؛ ولذلك كان السلف الصالح يجتهدون ومذكور عن ابن مسعود في غير ما رواية كان يقول : " هذا من رأيي فإن أصبت فمن الله وإن أخطأت فَمِن نفسي " ، لكن كما قلنا آنفًا التوسُّع في القياس هو الذي ينكره علماء السلف وعلماء الحديث ، فحيثما وجدت الضرورة لاستعمال القياس قاس الإنسان وإلا فلا .

مواضيع متعلقة