هل كلُّ مَن خالف أهل السنة في مسألة أو اعتقاد صار مبتدعًا ؟ وهل يُعامل المبتدعة جميعًا بنفس الصورة أم يُفرَّق بينهم ؟ - صوتيات وتفريغات الإمام الألباني
هل كلُّ مَن خالف أهل السنة في مسألة أو اعتقاد صار مبتدعًا ؟ وهل يُعامل المبتدعة جميعًا بنفس الصورة أم يُفرَّق بينهم ؟
A-
A=
A+
السائل : السؤال الآخر يا شيخ يقول : هل كلُّ مَن خالف أهل السنة في مسألة أو اعتقاد صار مبتدعًا ؟ وهل يُعامل المبتدعة جميعًا بنفس الصورة أم يفرَّق بينهم ؟ وما هو الضابط في ذلك ؟

الشيخ : أوَّلًا : يجب أن نتفطَّنَ أن الابتداع في الدين هو أمر محرَّم بالإسلام ، وأنه بهذا الاعتبار لا يختلف حكم البدعة عن حكم محرَّم أي شيء كان ، وأن مَن ارتكب بدعةً هو شأنه شأن مَن ارتكب محرَّمًا ، وإذا تذكَّرنا هذه الحقيقة ؛ فهل كلُّ مَن ارتكب محرَّمًا يكون معذَّبًا عند الله - عز وجل - أم ربما لا يكون كذلك ؟ في اعتقادي إذا تركنا موضوع البدعة ولو مؤقَّتًا ، وأدَرْنا الحديث حول مَن ارتكب محرَّمًا حينئذٍ سيبدو الجواب لدى الحاضرين جميعًا - إن شاء الله - أنه ليس كلُّ مَن ارتكب محرَّمًا عاصيًا ، ليس كلُّ مَن ارتكب محرَّمًا عاصيًا ، والسبب أنه قد يرتكبه وهو لا يعلم حرمته ، وحينئذٍ فلا مؤاخذة عليه ، بل والأغرب من ذلك وليس غريبًا على أهل العلم ، بل وعلى طلاب العلم إذا ما تذكَّروا قول النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - : ( إذا حَكَمَ الحاكم فاجتهد فأصاب ؛ فله أجران ، وإن أخطأ ؛ فله أجر واحد ) ؛ إذًا إذا كان هناك رجل عالم اجتهد فارتكب مخالفةً للشرع ؛ أي : ارتكب محرَّمًا ، لكن هذا كان عن اجتهاد ؛ فهو فضلًا عن أنه لا يُعتبر عاصيًا ، بل هو يُعتبر مأجورًا أجرًا واحدًا لأنه اجتهد فأخطأ .

إذا عرفنا هذا التفصيل فيمَن ارتكب محرَّمًا ممكن أن نجعَلَه تمهيدًا لِمَن وقع ببدعة ما أو ارتكب بدعة ما ، لكن قبل ذلك ربَّما يتطلَّب الأمر هل يُتصوَّر أن عالمًا من علماء المسلمين يكون قد ارتكب محرَّمًا ويكون عليه مأجورًا ؟ يمكن هذا نظريًّا يكون بعيد شوي عن عقول بعض الناس ، فأنا أقول : الأمثلة كثيرة وكثيرة جدًّا ، المذاهب - كما تعلمون - تختلف في بعض المسائل ، هذا يقول : جائز ، والآخر يقول : غير جائز ، هذه الصلاة صحيحة ، وهذه الصلاة غير صحيحة ، ولنضرب مثلًا : رجل يصلي بدون وضوء أوَّلًا صلاته غير صحيحة ، لكن هل يجوز له أن يصلي بدون وضوء ؟ طبعًا لا يجوز ؛ لأنه استهزاء بما شَرَعَ الله ، يصلي بدون طهارة ، لكن الآن نقف في هذه الصورة ؛ رجل توضَّأ وخرج منه دم ، وصلى ؛ مذهب معروف يقول : هذا صلاته باطلة ؛ لأنه صلى على غير طهارة ؛ لأن وضوءه بطل ، ذاك يقول : لا صلاته صحيحة ووضوؤه صحيح إلى آخره ، والأمثلة لو تصوَّرتم بعض المسائل الفقهية كثيرة وكثيرة جدًّا ، هذا يحكم على زواج بالصحة ، وآخر يقول : هذا نكاح باطل ، الذي يتزوَّج فتاة بالغة بدون إذن الوليِّ يقول : هذا نكاح صحيح ، مذهب آخر يقول : هذا نكاح باطل ، المذهب الأوَّل بالنسبة للمذهب الآخر ارتكب محرَّمًا ؛ لأنه يفتي بصحة نكاح هذا المسؤول عنه أنه نكاح باطل ، لكن هذا الذي قال عن هذا النكاح بأنه صحيح لا يُؤاخذ ، بل هو مأجور ؛ لأنه قاله عن اجتهاد .

هذه الأمثلة إذا استحضرتموها سهل عليكم إذًا أن تفهموا أنه ليس كلُّ مَن وقع في الحرام يكون عاصيًا ؛ هذه أوَّلًا ، بل هذا الذي وقع في الحرام إذا وقع فيه بعد اجتهاد يكون مأجورًا .

ننتقل الآن بعد هذا التبيين إلى مَن وقع في البدعة ، نقول : حكم البدعة حكم المعصية وهي معصية ، فَمَن ابتدع اتباعًا لِهواه فهو كالذي يرتكب المحرَّم اتباعًا لهواه ، ومَن وقع في البدعة عن جهل فهو كالذي يقع في الحرام عن جهل ، مَن وقع في البدعة عن اجتهاد فهو كالذي يقع في المحرَّم عن اجتهاد ؛ كلاهما يكون مأجورًا أجرًا واحدًا ، وبهذا ينتهي الجواب . وحصيلة ذلك .

السائل : إذًا هذا الضابط .

الشيخ : إي نعم .

وحصيلة ذلك أنه لا يصح أن نقول عن رجل وقع في الحرام أنه فاسق حتى نعلمَ أنه يعلم الحرام ويجابه ربَّ العالمين بالمعصية ، فهو فاسق ، كذلك لا يصح أن نقول عن رجل سواء كان في الزمن الماضي أو في الزمن الحاضر إنه مبتدع ولو كان قد وقع في البدعة ، إلا إذا تبيَّنَ منها أنه يستحسِنُها اتِّباعًا لهواه ؛ فذاك قد يرتكب المعصية اتِّباعًا لهواه ، وإلا نحن نقع في مشكلة كبيرة جدًّا : كثير من الأئمة وقعوا في مخالفات ، وقعوا في بعض المحدثات ، لكن ذلك كان عن اجتهاد ، خذوا - مثلًا - أتباع المذاهب الأربعة اليوم أكثرهم يصلون سنة الجمعة القبلية ، ونحن ماذا نقول ؟ بدعة بدعة ، هل نقول : هؤلاء مبتدعة ؟ لا ؛ لأن الذي سَنَّ لهم هذه السنة إنما كان ذلك عن اجتهاد خطأ .

لهذا نحن ننصح الشباب المسلم اليوم أن لا يندفعوا لأهوائهم وعواطفهم فيبدِّع بعضهم بعضًا ، فضلًا عن أن يكفِّر بعضهم بعضًا ، وينبغي أن يتقوا الله - عز وجل - في ذلك .

أظن انتهى الجواب ؟

السائل : انتهى ، لكن هنا يأتي سؤال بعد سؤال كأنه يعني .

الشيخ : متعلِّق .

السائل : متعلِّق زي ما تفضَّلتم يا شيخ وأظنه ... يقول السَّائل : متى يكون المرء من أهل الأهواء والبدع ؟ هل لمجرَّد اعتقاده بدعة أو بدعوته إليها أو بتحزُّبه وموالاته ومعاداته من أجلها أم أن هناك تفصيل آخر ؟

الشيخ : سبق الجواب .

السائل : سبق الجواب .

الشيخ : نعم .

مواضيع متعلقة