بيان أن الإسلام قد دَخَلَه ما دَخَلَه من الدَّخن ، وخاصَّة ما وقع في التفاسير والسنة النبويَّة . - صوتيات وتفريغات الإمام الألباني
بيان أن الإسلام قد دَخَلَه ما دَخَلَه من الدَّخن ، وخاصَّة ما وقع في التفاسير والسنة النبويَّة .
A-
A=
A+
الشيخ : لا شكَّ أن أيَّ علاج من طبيب ماهر خرِّيت إذا لم تُنفَّذ وصفَتُه - " الراشيتة " كما يقولون اليوم - بحذافرها ؛ فهذه الوصفة لن تؤتي أكلها وثمارها ، بل إذا ما دخل فيها ما ليس منها قد تعكس النتيجة فيزداد المريض مرضًا وهو يظن أنه يعالج نفسه بوصفة الطبيب ؛ هذا مَثَل العلاج الرباني الذي أنزلَه الله - عز وجل - على قلب محمد - عليه السلام - فيما إذا دخلَ فيه ما لم يكُنْ منه من قبل ؛ فهل وقع هذا المحظور ؟ هل دخل في الإسلام ما لم يكُنْ فيه ؟ الجواب - مع الأسف ! - : نعم . دخل ليس في القرآن ، لأن القرآن - والحمد لله - محفوظ ، لكن دخل في تفسيره كما دخل في السنة ؛ أي : في تفسير السنة وزيادة على القرآن دخل في السنة ما ليس منها ، فالقرآن محفوظ ، لكن فُسِّر بتفاسير خاطئة ففسد بذلك هذا العلاج ، يعني خذوا أمثلة بسيطة جدًّا ؛ جماهير المسلمين يتبرَّكون بالقرآن الكريم ، بعضهم يعلِّق المصحف في صدر المكان ، لكن لا يقرأ منه آية في طول الزمان ، بعضهم إذا قرأ ذهب إلى الميِّت ليقرأ على قلبه ، وهذا الحيُّ هو أحوج إلى تلاوته وتدبُّره من ذاك الميت ؛ لأن الميت لن يستفيد من هذه القراءة شيئًا ؛ لأنه أوَّلًا : لا يسمع ما يُتلى عليه ، ثم لو سمع لم يستطِعْ أن يستفيد منه شيئًا ؛ لأنُّو وقت الاختبار والامتحان انتهى بانتقاله من هذه الدار إلى الدار الآخرة ، وأوَّلها البرزخ ، فهذا قلب ... إنزال القرآن كما قال ربُّنا - عز وجل - فيه : (( لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ )) ؛ فإذًا القرآن أُنزِلَ على الأحياء يعملوا به وليس لِيُقرأ على الموتى ، هذا ليس من السنة ، بل هو خلاف السنة أن يقرأ المسلم القرآن على الأموات ، بينما المفروض أن يقرأه على الأحياء وأن يتدبَّروه وأن يفسِّروه تفسيرًا كما جاء في السنة الصحيحة .

أما السنة فحدِّث عنها ولا حرج ، ومما دخل فيها مما ليس منها هي السبب في انحراف الناس هذا الانحراف الذي أودى بهم إلى هذا الخنوع وهذا الخضوع الذي يشعر به كل مسلم ، وقد يتساءَل بعضهم ما السبب ؟ وأما الجمهور فهم في غفلةٍ ساهون لا يتساءلون ، الذين يتساءلون لا يعلمون أن السبب أن هذه الوصفة الطبية الإلهية أوَّلًا : لا تُطبَّق ، موضوع على الرَّفِّ ! ثانيًا : لو أُرِيد تطبيقها فقد أُسِيء فهمها من حيث القرآن كما ذكرنا آنفًا فُسِّر بأنواع من التفاسير بعيدة عن الشرع كل البعد ، الأحاديث دخلها ما ليس منها بالألوف المؤلَّفة ؛ كما جاء في تاريخ بعض الخلفاء من بني العباس أنه أُلقِيَ القبضُ على أحد الزنادقة في زمن أحد الخلفاء المُشار إليهم ، فلما أُحضِرَ بين يدي الخليفة أَمَرَ بقتله على اعتباره زنديق مرتد ، فلما رأى أنَّ الموت كما جاء أدنى من شراك نعله أراد أن يشفِيَ من غيظ قلبه فقال : " أنا لا أموت إلا وقد أدخلْتُ في أحاديث نبيِّكم ستة آلاف حديث أنا وضعتُها " . فقال له الخليفة : " خَسِئْتَ ؛ كيف ذلك وعندنا فلان - وسمَّى منهم عبد الله بن المبارك من شيوخ الإمام الأحمد - فلان وفلان ، وقد أخذوا الغرابيل يغربلون تلك الأحاديث ؟! " .

فعلماء الحديث في الواقع هم الذين حفظوا لنا السنة وميَّزوا لنا صحيحها من ضعيفها ، اليوم أكثر المسلمين لا يلتفتون إلى الأحاديث ولا إلى علم الحديث ولا إلا علماء الحديث ؛ ولذلك تسمع أحاديث أشكالًا وألوانًا ؛ فإذًا واجب المسلم أنه إذا أراد أن يفسِّر آيةً أن يعرف الطريق الذي إذا سَلَكَه أن تمكَّن من تفسير الآية تفسيرًا صحيحًا ، وذلك له كتب معتمدة في كتب التفسير ؛ كـ " كتاب ابن جرير الطبري " ، وابن كثير الدمشقي ، و " تفسير الشوكاني " ، والصديق حسن خان ، ونحوها .

كذلك كتب السنة يجب أن يلجأ إلى علماء الحديث الذين يميِّزون الصحيح من الضعيف ، وأن يعتمد بصورة خاصَّة على أصح الكتب بعد كتاب الله ؛ ألا وهو " صحيح البخاري " و " صحيح مسلم " ، فإذا المسلم سلك هذه السبيل أخذ الله بيده ؛ لأن الله - عز وجل - يقول : (( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا )) ، فربُّنا - عز وجل - بفضله وكرمه إذا عَلِمَ من عبده أنه يريد الهداية سهَّل له طريق الهداية ، والعكس بالعكس ، وهذا من معاني قوله - تعالى - : (( وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ )) ، فالله يدل على طريق الخير ويأمر به ، ويدل على طريق الشَّرِّ وينهى عنه ؛ ولذلك كان من عقل حذيفة بن اليمان صاحب سرِّ رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه قال : " كان الناس يسألون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الخير ، وكنت أسأَلُه عن الشَّرِّ مخافةَ أن أقع فيه " ، كان الناس كل الناس بيجوا يسألوا الرسول عن الخير ، أما هو بذكائه وفطنته كان يسأل الرسول عن الشَّرِّ ؛ لماذا ؟ لكي يحذَرَه ، ولهذا قال الشاعر :

" عرفت الشَّرَّ لا للشَّرِّ لكن لتوقِّيهِ *** ومن لم يعرِفِ الشَّرَّ من الخير يقَعْ فيهِ "

فإذا لم يميِّز المسلم الحديث الموضوع من الحديث الصحيح وقع في الحديث الموضوع وافترى الحديث على رسول الله وهو لا يدري ويشعر ، وقد قال - عليه السلام - : ( من حدَّث عنِّي بحديث وهو يُرى أنه كذب فهو أحد الكذَّابَين ) ، فإذا المسلم سلك طريق تمييز الحديث الصحيح من الضعيف ، ثم تفقَّه في الحديث الصحيح ؛ فهو الذي بشَّر به الرسول - عليه السلام - أنه يكون من الفرقة الناجية ، وقد جاء في الحديث الصحيح : ( افترقَتِ اليهود على إحدى وسبعين فرقة ، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة ، وستفترق أمَّتي على ثلاث وسبعين فرقة كلُّها في النار إلا واحدة ) . قالوا : مَن هي يا رسول الله ؟ قال : ( هي ما أنا عليه وأصحابي ) ؛ فكيف يعرف المسلم ما كان عليه الرسول وأصحابه ؟ طريق الحديث ، ما في وسيلة أخرى إطلاقًا .

مواضيع متعلقة