شرح قوله : ( سلَّط الله عليكم ذلًّا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم ) ، وبيان وصف الدَّواء الذي يحصل به الشفاء من الداء الذي حلَّ بالمسلمين ، وبيان حقيقة الدين الذي يحصل به الشفاء ، وذكر النقول عن الأئمة في وصف هذا الدواء الذي يحصل به صلاح الدين والدنيا . - صوتيات وتفريغات الإمام الألباني
شرح قوله : ( سلَّط الله عليكم ذلًّا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم ) ، وبيان وصف الدَّواء الذي يحصل به الشفاء من الداء الذي حلَّ بالمسلمين ، وبيان حقيقة الدين الذي يحصل به الشفاء ، وذكر النقول عن الأئمة في وصف هذا الدواء الذي يحصل به صلاح الدين والدنيا .
A-
A=
A+
الشيخ : فماذا يكون الجزاء ؟ ( سلَّط الله عليكم ذلًّا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم ) ، لقد وصف النبيُّ - صلى الله عليه وآله وسلم - الداءَ إذا أصاب المسلمين ، لكنه لم يكتفِ بذلك ؛ فقد قابل الداء بالدواء بكلمة طيِّبة ، ولكن المسلمين اليوم عنها غافلون ؛ قال : ( حتى ترجعوا إلى دينكم ) .

هنا لي كلمة ، وأرجو أن تكون قصيرة حتى نتفرَّغ للإجابة على الأسئلة ، حينما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث أنه الدواء هو الرجوع إلى الدين ؛ أول شيء ينبغي أن نُلفِتَ النظر إليه أن الدين كما جاء في القرآن الإسلام : (( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ )) ، وكما قال - تبارك وتعالى - في الآية الأخرى : (( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا )) ، هذا الإسلام الذي جَعَلَه الرسول - عليه الصلاة والسلام - هو الدواء ، إذا رجعنا إليه وتعاطيناه رفع الله - عز وجل - ما حلَّ بنا من الذُّلِّ ، أصبح اليوم أصبح الإسلام اليوم له مفاهيم كثيرة وكثيرة جدًّا ، وماذا نتحدَّث ؟ أصبح الإسلام في بعض أصوله في بعض عقائده أقلُّ ما يُقال فيه إنه أمرٌ مَختَلَف فيه ، فالتوحيد في بعض أقسامه توحيد العبادة أصبح شركًا يسمَّى عند بعضهم عبادة ، ولا أريد أن أتعمَّقَ في هذا ؛ لأنه لا مجال الآن ، وإنما هي الذكرى والذكرى تنفع المؤمنين .

كذلك بعض المحرَّمات أصبحت اليوم أقل ما يُقال موضع بحث وخلاف ؛ هل يجوز أو لا يجوز ؟ خذوا - مثلًا - هذه الملاهي وآلات الطرب التي لا يكاد ينجو منها بيت مسلم ، لا نعدم - مع الأسف الشديد - أن نجدَ مَن يقول في إباحتها على الرغم من مجيء أحاديث كثيرة عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - في تحريمها ، أقتصر على حديث واحد تذكيرًا ؛ ألا وهو قوله - عليه السلام - كما رواه البخاري في " صحيحه " تعليقًا : ( ليكوننَّ في أمَّتي أقوام يستحلُّون الحرَ ) ، ( الحرَ ) أي : الفرج ، أي : الزنا ، وهذا واضح ، ( يستحلُّون الحرَ والحرير ) ؛ أي : الحرير الحيواني ، ( والخمر والمعازف ) عَطَفَ رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - المعازف على المحرَّمات الثلاث ؛ وهي الزنا والحرير والخمر ، عطفَ عليها فقال : ( والمعازف ) ؛ ما هي المعازف لغةً ؟ إذا رجعتم إلى كتب اللغة وقواميسها لَوجَدْتُمُوهم يقولون : المعازف هي آلات الطرب .

مع هذا النَّصِّ الصريح من جهة ، إلى أحاديث أخرى ، ومن جهة أخرى اتَّفق الأئمة الأربعة على تحريم المعازف ؛ مع ذلك لا نزال نسمع إلى اليوم بأنه لا مانع من آلات المعازف والطرب من باب التسلية والترويح عن النفس .

إذًا حينما قال الرسول - عليه السلام - : إن العلاج أن ترجعوا إلى دينكم ؛ بأيِّ مفهوم يجب أن نفهم هذا الإسلام الذي هو العلاج ؟ بمفهوم قوله - تبارك وتعالى - : (( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا )) ، هل اتَّفق المسلمون اليوم أن يرجعوا إلى هذا الدواء ، إلى هذا العلاج الذي هو الإسلام على هذا الأساس من الآية السابقة : (( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ )) ؟ أقل العلماء اليوم الذين يتَّخذون منهجَهم في رجوعهم إلى دينهم أن ينطلقوا من تلك الآية ، أما الجمهور فهو يأخذ من كلِّ مذهب زعموا ما يُوافق المصلحة الزمنية ، ولا يُحكِّمون فيما يزعمون من المصلحة قال الله ، قال رسول الله ، وصدق " ابن قيم الجوزية " - رحمه الله - حين قال :

" العلمُ قالَ اللهُ قالَ رَسولُهُ *** قالَ الصحابَةُ ليسَ بالتَّمويهِ

ما العلمُ نصبَكَ للخلافِ سَفَاهةً *** بينَ الرَّسولِ وبينَ رأيِ فقيهِ

كلَّا ولا جحدُ الصِّفاتِ ونفيُها *** حَذَرًا من التَّعطيلِ والتَّشبيهِ "

العلاج إذًا هو الرجوع للإسلام والإسلام الذي كان في العهد الأول ، من أجل ذلك قال الإمام مالك إمام دار الهجرة قال : " مَن ابتدع في الإسلام بدعةً يراها حسنةً ؛ فقد زَعَمَ أن محمدًا - صلى الله عليه وآله وسلم - خانَ الرسالة ، اقرؤوا قولَ الله - تبارك وتعالى - : (( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا )) " . قال مالك : " فما لم يكن - انتبهوا - فما لم يكن يومئذٍ دينًا لا يكون اليوم دينًا ، ولا يصلُحُ آخر هذه الأمَّة إلا بما صَلُحَ به أولها " ؛ لذلك إذا أرَدْنا أن نعود إلى هذا الدواء العظيم الذي وصفَه الرسول الكريم في ذاك الحديث الصحيح ؛ ألا وهو الإسلام ، فيجب أن نفهَمَه بالمفهوم السلفي الأول ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - جعلَ ذلك هو العصمة للنجاة من الفرقة والاختلاف في الدين المنهيِّ عنه في الكتاب والسنة ، والخلاص من الفرق الضالة الكثيرة التي تحدَّث عنها الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - في الحديث الصحيح المشهور حين قال : ( تفرَّقَتِ اليهودُ على إحدى وسبعين فرقةً ، وتفرَّقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقةً ، وستفترقُ أمَّتي على ثلاثٍ وسبعين فرقةً ؛ كلها في النار إلا واحدة ) . قالوا : يا رسول الله ، مَن هي ؟ أجاب - عليه السلام - تارةً بجواب ، وتارةً بجواب آخر ؛ فقال : ( الجماعة ) . لما قيل له : مَن هي الفرقة الناجية ؟ قال : ( هي الجماعة ) . وهو يعني جماعة الصحابة بدليل الجواب الآخر ؛ قال : ( هي التي تكون على ما أنا عليه وأصحابي ) .

إذًا إذا أرادَ المسلم اليوم أن ينجُوَ من الاختلاف سواء كان هذا الاختلاف في الأصول أو الفروع ؛ فلا سبيل له إلى ذلك أو إلى النجاة التي ذكَرَها الرسول - عليه السلام - في هذا الحديث إلا بأن يعودَ إلى الجماعة الذين هم أصحاب النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ، وبخاصَّة منهم الخلفاء الراشدين الذين حَضَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - المسلمين على أن يتمسَّكوا بسنَّتهم كما جاء في حديث العرباض بن سارية ، وبه أختم هذه الكلمة ، قال العرباض - رضي الله عنه - : وَعَظَنا رسولُ الله - صلى الله عليه وآله وسلم - موعظةً وَجِلَت منها القلوب ، وذَرَفَتْ منها العيون ، فقلنا : يا رسول الله ، إنا لَنراك توصينا وصيَّة مودِّع ، فأوصِنا وصيَّة لا نحتاج بعدها إلى أحد أبدًا . فقال - عليه الصلاة والسلام - : ( أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة ؛ وإن وُلِّيَ عليكم عبد حبشي ، وإنه مَن يَعِشْ منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا ؛ فعليكم بسنَّتي ، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ، عضُّوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ؛ فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ) ، وفي حديث جابر : ( وكل ضلالة في النار ) .

أسأل الله - تبارك وتعالى - أن ينفَعَنا بما ألقَينا وبما سمعنا ؛ إنه سميع مجيب .

الآن نتوجَّه - إن شاء الله - إلى ما يحضرنا من الأجوبة عن الأسئلة التي سنسمَعُها - إن شاء الله - .

مواضيع متعلقة