استدلال الشيخ بحديث عمرو بن فلان الصحابي ، " بينا هو يمشي قد أسبل إزاره ؛ إذ لَحِقَه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقد أخذ بناصية نفسه وهو يقول : ( اللهم عبدك ابن عبدك ابن أمَتِك ) ، والتعليق عليه ، والتنبيه به على حسن خلق الله - عز وجل - . - صوتيات وتفريغات الإمام الألباني
استدلال الشيخ بحديث عمرو بن فلان الصحابي ، " بينا هو يمشي قد أسبل إزاره ؛ إذ لَحِقَه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقد أخذ بناصية نفسه وهو يقول : ( اللهم عبدك ابن عبدك ابن أمَتِك ) ، والتعليق عليه ، والتنبيه به على حسن خلق الله - عز وجل - .
A-
A=
A+
الشيخ : فاسمعوا الآن معي هذا الحديث ، وانتبهوا بعد ذلك لِمَا يلي من التعليق ، هذا الحديث يرويه الإمام أحمد في " مسنده " الجامع للأحاديث الكثيرة الطَّيِّبة بإسناده القويِّ عن عمرو بن فلان الأنصاري ، ذهب عن ذهن الراوي اسم عمرو الصحابي فقال : عن عمرو بن فلان الأنصاري ، قال : بينما هو يمشي قد أسبل إزارَه لَحِقَه رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ، وقد أخَذَ بناصية نفسه وهو يقول : ( اللهم عبدك ابن عبدك ابن أمَتِك ) . قال عمرو‏ : فقلت : يا رسول الله ، إني رجل حَمْشُ الساقين . فقال : ( يا عمرو ) بيت القصيد ‏في هذا النداء من الرسول الكريم ، قال : ( يا عمرو ، إن الله - عز وجل - قد أحسن كلَّ شيء خلقه ) . الجواب بقوله : إني حمشُ الساقين ؛ أي : دقيقهما ؛ يعني " معضِّم " ، فكلُّ من يراه قد يضحك ، ( يا عمرو ، إن الله - عز وجل - قد أحسن كلَّ شيء خلقه ، يا عمرو - وضرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأربع أصابع بكفِّه اليمنى تحت ركبة عمرو ، أربع أصابع تحت الركبة - فقال : ( يا عمرو ، هذا موضع الإزار ) ، ثم فعل ذلك مرة ثانية ؛ أي : حط أربع أصابع تحت الأربع أصابع الأولى ، ثم رفعها ، ثم وضعها تحت الثانية ، كم أصابع صار عندنا ؟

الحاضرون : اثنا عشر .

الشيخ : اثنا عشر ، أربعة وأربعة وأربعة ، ثم رفعها ثم وضعها تحت الثانية فقال : ( يا عمرو ، هذا موضع الإزار ) انتهى الحديث .

لاحظوا معي أوَّلًا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد هالَهُ وعَظُمَ عليه أمر هذا الصحابي أن يمشِيَ وإزاره مُسبل ، ويدلُّكم على هذا أنه وَضَعَ يده على ناصيته ، هذا كأنُّو عادة لا يزال معروف عند بعض الناس ؛ إذا واحد هالَه أمر يحط يده إيش ؟ على رأسه ، هكذا فَعَلَ الرسول - عليه السلام - ، ثم التفت إلى ربِّه - عز وجل - متضرِّعًا إليه أن يغفِرَ لهذا الأنصاري عمرو فعلَته هذه ، لكنه قال هذه الكلمة مسمعًا لها لعمرو أو إياها لعمرو ، ولذلك كان جواب عمرو معتذرًا بقوله : يا رسول الله ، إني رجل حمْشُ الساقين ؛ أي : دقيقهما ، وقلت بأن الناس عادةً يلفت نظرهم حموشة الساقين ودقَّتهما ، وأكثر الناس في الواقع لا يتفكَّرون هذه الحقيقة التي لَفَتَ إليها رسولُ الله - صلى الله عليه وآله وسلم - نظر هذا الرجل الذي خَلَقَه الله حمشَ الساقين ، قال له : ( إنَّ كلَّ شيء خَلَقَه الله - عز وجل - فهو حَسَن ) ؛ (( أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ )) كما هو النَّصُّ قرآني .

هذا التعليم من الرسول - عليه السلام - يقصد به أولًا تهويل هذا الذي لا يعجب هذا الإنسان أن الله - عز وجل - قد خَلَقَه حمش الساقين ، والسبب الثاني - وهذا هو الأهم - الناس الآخرين الذين يرون هذا الإنسان وهو من خلق الله - عز وجل - حمش الساقين ، فلا تُعجِبُهم هذه الحموشة ، حذار من ذلك ؛ لأن هذا خلق الله ، وكلُّ ما خلق الله - عز وجل - فهو حسن ، أقول هذا وإن كنت أذكر بأن هناك قصة أو حديث وقع في زمن الرسول - عليه السلام - وهو في سفر ، ولعله كان في حجة الوداع لا أذكر الآن ، وكان معه عبد الله بن مسعود ، فهو إذ تسلَّقَ شجرة ليقتطف منها ثمر لعله هو ثمر الأراك ، ولا يخفاكم أن هذا الإنسان الذي يصعد تنكشف ساقاه أكثر مما لو كان على الأرض ، ولو كان إزاره على السنة تحت الركبة ، فلما رآه بعض الصحابة ضحك ، هذا اندفاع واستجابة للطبيعة التي يُطبع عليها الإنسان ما لم يهذَّبْ بتهذيب الشارع الحكيم ؛ فكان جواب الرّسول - صلوات الله وسلامه عليه - أن قال لِمَن حوله : ( إنَّهما أثقل من أحد في الميزان يوم القيامة ) ، ساقا ابن مسعود الدقيقين الرقيقين .

فنجد نبيَّنا - عليه الصلاة والسلام - في هذا الحديث أوَّلًا يحاول تلطيف وَقْعِ هذا الخلق الذي قد لا ... بعض الخلق ولو نفس الرجل ، فلَفَتَ نظره أن خلق الله كله حسن ، وهذا ما كنا نحن نقوله ، وهنا الواقع الشاهد الأول من هذا الحديث ، لما نقول : إن الله - عز وجل - لمَّا خلق الرجل بلحية والمرأة بدون لحية ما خَلَقَ هذا عبثًا ، ما جعل هذا التَّفاوت هكذا لا لحكمة ولا لغاية ، وإنما كلُّ خلق الله - عز وجل - حسن ، فإذا كان النظام العام دائمًا وأبدًا أن الرجل له لحية والمرأة ليس لها لحية ، وإذا بنا نرى بعض ما يُسمَّى اليوم بالشَّواذ ، وهو رجل كَوْسج لا لحية له ، امرأة لها لحية ؛ فهذا - أيضًا - ليس عبثًا ، بل هذا كما قلنا مرارًا وتكرارًا لإلفات نظر الملاحدة الزنادقة الذين لا يؤمنون بالله - عز وجل - بأنه هو الذي خلق هذا الكون ، وأحسن خلقه كما سمعتم ، فمن حُسْنِ خلقه أن يُلفِتَ نظر عباده أن القضية مو قضية طفرة وصدفة ، فالرجل بلحية والمرأة بدون لحية ، انظروا فهو يخلق لكم رجلًا بدون لحية وهو الكوسج ، وامرأة بلحية ؛ إذًا هذا خلق الله ، فيجب أن نتذكَّر هذه الحقيقة ، فما خَلَقَه الله - عز وجل - فهو حسن ، ولا يجوز لإنسان أن يستقبحه .

لَفَتَ الرسول - عليه السلام - نظر هذا الصحابي إلى هذه الحقيقة وكأنه يواسيه إن كان في نفسه شيء من حمشِ ساقيه ، ثم ردَّ عليه اعتذاره في إطالته لإزاره لهذا الحمش ؛ لأن هذا ليس عذرًا لِمَا سبق من أنه خلق الله ؛ ولذلك قال له : ( هذا موضع الإزار ) . على الرغم أنك أنت ترى أن لك مثل هذا العذر وهو حمش الساقين ، فتجعل إزارَك طويلًا لستر هذا العيب عند بعض الناس هذا ليس عذرًا لك أبدًا ؛ لأن هذا خلق الله ، ولست أنت مسؤولًا عنه ، فيجب أن تلتزم النَّهج الذي شَرَعَه الله - عز وجل - على لسانه - عليه السلام - في عدم إطالة الإزار ، وهذا الحديث كأحاديث كثيرة يبيِّن مراتب الإزار والمواضع التي تُشرَع أو تجوز أو تحرم ، فأول ذلك يقول هذا موضع الإزار تحت أربع أصابع تحت الركبة ؛ أي : هذا هو الأفضل ، وكذلك كان إزار الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، هذه سجيَّة وشريعة محمدية شَرَعَها للناس المسلمين المؤمنين به حقًّا أن لا يطول الإزار استحبابًا لا إيجابًا وفرضًا تحت الركبة بأربع أصابع بنحو أربع أصابع ، ثم المرتبة الثانية بعد أربع أصابع أخرى تحتها ؛ هذا هو المرتبة الثانية ، المرتبة الثالثة في الجواز تحت الأربعة الثانية ؛ يعني تحت اثني عشر أصبع ؛ هذا يجوز ، هذا الحديث صريح في ذلك . جاءت أحاديث أخرى في الصحيح وفي غيره : وما دون الكعبين فهو في النار ؛ ( ما أسفل الكعبين فهو في النار ) ، أحاديث كثيرة فيها هذا .

مواضيع متعلقة